في عام 1992، وضع العالم روبن دانبار، الأستاذ في جامعة يونيفرسيتي كوليدج لندن، نظرية مثيرة تتعلق بالقدرة المعرفية لعقل الإنسان؛ حيث حدد سقفاً محدداً لعدد الأشخاص الذين يمكننا الاحتفاظ بهم في علاقة قوية ودائمة: 150 شخصاً تقريباً.
وسبب محدودية هذا العدد يعود لحجم الدماغ البشري، وأيضاً بسبب الحدود الزمنية؛ حيث يرى أن أي علاقة تتطلب منحها فترة زمنية ليست قليلة، وبما أن يومنا لا يتجاوز 24 ساعة فقط، فمن الصعوبة بمكان، إن لم يكن من المستحيل، المحافظة على أكثر من 150 علاقة بجودة مقبولة واهتمام كافٍ.
وذهب هذا العالم نحو تأكيد نظريته بنتائج خلص إليها عند دراسته لحجم القرى في العصر الحجري، وحجم الوحدات العسكرية في العصر الروماني، بل حتى قوائم بطاقات أعياد الميلاد أو نحوها من المناسبات، حيث كان العدد في حدود 150. والسبب هو أنه عندما تكون المجموعة أقل من 150 يمكنك التعامل معها وإدارتها عبر التعارف المباشر، أما إذا تجاوزت هذا العدد، فإنه يظهر ما يشبه التفكك، ومعه تظهر الحاجة للتنظيم والرتب أو قوانين للسيطرة.
أيضاً العقل البشري لا يكتفي بحفظ الأسماء، بل هو يحفظ جوانب أخرى أكثر دقة في العلاقة نفسها مع كل واحد، مثل القرب والحب والكراهية، والاتفاق أو التنافر، ونحوها من الحسابات المعقدة المرهقة للعقل البشري، وبالتالي لا يمكنه تجاوز حد 150.
هذه النظرية واجهت انتقادات كثيرة، ومنها من قال: «إن الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي ترفع هذا العدد»، لكن في عام 2016 قام العالم روبن دانبار بتحديث دراسته ونظريته، وعاد مرة أخرى في عام 2021 بتحديث آخر خلص إلى أن التقنية الحديثة سهلت التواصل لكنها عاجزة عن زيادة سعة أو قدرة العقل البشري من الناحية العاطفية، وبالتالي يمكن لأي واحدٍ منا جمع 5000 متابع على شبكات التواصل، لكنه لن يجد سوى عدد قليل جداً ممن يمكنه الاتصال بهم عند الساعة الثالثة فجراً عند وقوعه في أزمة.
الحقيقة أن هذه النظرية يرفضها البعض، وأيضاً تكتسب الاحتفاء عند البعض، خاصة أننا في زمن تتدهور فيه العلاقات الإنسانية، وزمن نصفه بأنه شحيح في الأصدقاء الأوفياء، لكن لعل كل واحدٍ منا يسأل نفسه: كم عدد علاقاته المتينة والقوية؟ قد تحدد الإجابة صحة هذه النظرية من عدمها.
