إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الآباء هو التذرع بأن المدرسة ستعلّم أبناءهم لغتهم كما يجب، فالمدرسة مهما بلغت مساعيها لا تستطيع تعويض غياب البيت، والانتماء ليس مادة دراسية بل تجربة تعاش، كلما تأخر بناؤها صعبت استعادتها.
والانتماء إلى اللغة فعل يومي يبدأ من تلك اللحظات الصغيرة التي تبدو عابرة لكنها في الحقيقة تؤسس لأعمق طبقات الهوية فالآباء ليسوا مجرد وسطاء في نقل اللغة بل الحاضنة الأولى التي تتشكل داخلها علاقة الطفل بالكلمة وبالمعنى ومسؤوليتهم لا تقبل التأجيل ولا التعليق على انتظار محفز خارجي، لأن الزمن الذي يمر دون بناء هذا الانتماء يجعله هشاً.
وأول ما ينبغي على الآباء إدراكه أن اللغة لا تغرس بالأوامر بل تبنى بالمحبة، فالطفل لا ينتمي إلى ما هو مفروض عليه، بل إلى لغة حاضرة في البيت حضوراً طبيعياً وليس رسمياً متكلفاً.
ولا يمكن للآباء أن يطلبوا من أبنائهم الاعتزاز بلغتهم وهم يزهدون فيها أو يتعاملون معها باعتبارها أقل شأناً من غيرها أو حتى يذكروها من دون اعتزاز أو تقدير، فالطفل يلتقط الإشارات الدقيقة، وإذا رأى في والديه احتراماً للغة وحرصاً عليها واعتزازاً بها ترسخ في داخله هذا الشعور دون حاجة إلى وعظ مباشر أو سياسات تغرس حبها فيه.
ومن أهم ما يعزز هذا الانتماء عيش اللغة كتجربة جمالية وليست قواعد فحسب من خلال قراءة الشعر وسرد القصص، وكلها مداخل تفتح باب تذوقها وتلمس جمالياتها وحين يكتشف الطفل أن اللغة قادرة على أن تضحكه وتدهشه وتحرك خياله فإنه يرتبط بها ارتباطاً وجدانياً عميقاً.
وعلى الآباء خلق بيئة مناسبة تبدأ من تأسيس مكتبة وإدارة نقاشات حول أفكار كاتب ومتابعة محتوى هادف باستخدامها، فاللغة تزدهر كلما استعملت وتنمو بين القلوب والأيدي كلما تعددت سياقات استعمالها وتذبل لو أهملت.
ولا يقل أهميةً عن ذلك، ربط اللغة بالمعنى والكرامة، فالطفل ينبغي أن يفهم أن لغته جزء من تاريخه وثقافته وذاكرته الجماعية من خلال رواية قصص عن أعلام وذكريات شكلت وجدان أمة وكلمات حملت ولا تزال تحمل معاني عظيمة.
إن ترسيخ الانتماء لا يعني الانغلاق أو رفض اللغات الأخرى بل على العكس، فيمكن للآباء أن يعلموا أبناءهم لغات متعددة مع الحفاظ على اللغة الأساسية بصفتها لغة الهوية، لأن الطفل الذي لديه لغة أم راسخة يكون أكثر قدرة على تعلم غيرها دون أن يفقد توازنه، والتعدد اللغوي ثراء، لكنه يصبح تهديداً حين يقوم على حساب اللغة الأصل.
