يسترد المجهود الإبداعي البشري هيبته كـ «عملة نادرة» في سوق رقمي بات يغرق بإنتاج الآلة السلس والبارد؛ وهو ما يعيد إلى الأذهان فلسفة ثورستين فيبلين حول «القيمة» التي طُرحت قبل قرن من الزمان. فكما نُفضل اليوم الملعقة الفضية المشغولة يدوياً على نظيرتها المصنعة آلياً، لم يعد تقديرنا للفن نابعاً من جودته الشكلية فحسب، بل من كونه وثيقة حية تُثبت الخبرة البشرية والكدح الذهني.
وفي هذا السياق، تتقاطع هذه الرؤية مع أطروحات أكاديمية حديثة من جامعتي تورنتو وألغوما الكنديتين، التي تشير إلى أن القيمة الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد تكمن في «النتيجة النهائية» التي يمكن محاكاتها بسهولة، بل في «البصمة الإنسانية» غير القابلة للبرمجة. فالفن، وفقاً لهذا المنظور، يصبح أكثر قيمة كلما عكس صراع المبدع مع الفكرة ومكابدته للجمال، وهو ما يجعل العمل البشري «حرفة ذهنية» فاخرة في مواجهة طوفان المحتوى الفوري، مؤكداً أن ما يربطنا بالأعمال الإبداعية هو روح صاحبها لا كمال خوارزمياتها.
وتكشف الدراسات الحديثة عن فجوة عميقة في وعي الجمهور تُعرف بـ «عقوبة الذكاء الاصطناعي»، فعلى الرغم من أن الخوارزميات تبرع في صياغة نصوص وشعر يتفوق أحياناً في بساطته على التعقيد البشري، فإن مجرد إماطة اللثام عن «هوية الآلة» خلف العمل يُفقد القارئ شغفه فوراً.
هذا الانحياز ليس مجرد تعصب للإنسان، بل هو بحث فطري عن الثمن العاطفي والجسدي الذي يدفعه المبدعون؛ فبينما استنزف الإبداع أرواح وأجساد عظماء مثل ميلتون وكيتس، تفتقر الآلة إلى «معاناة الصفحة البيضاء»، ما يجعل محاكاتها لمشاعر الفقد أو الألم مجرد «تجارة بمشاعر مسروقة» لا تجد لها صدى في الوجدان الإنساني.
ويتحول العمل الفكري اليوم إلى «حرفة يدوية» فاخرة في مواجهة طوفان المحتوى الفوري والمكرر الذي تضخه شركات الإعلام لغرض الاستهلاك السريع، وعلى الرغم من محاولات تسليع الإبداع، يظل الجمهور مستعداً للاستثمار في الأعمال التي تحمل بصمة «الضعف والمخاطرة»، مؤكداً أن القيمة الحقيقية للفن في زمن الذكاء الاصطناعي لم تعد تكمن في بلوغ الكمال التقني، بل في تلك القدرة الفريدة على مد جسور التواصل بين إنسان وآخر عبر جهد موثق وتجربة معاشة لا يمكن برمجتها.