الهوية لا ترحل فجأة، بل تغادر حين نجد من يؤدي دورها بدلاً منا.
***
وقعت في يدي صورة باهتة لبيتنا القديم. الألوان ذابت، والوجوه صارت ظلالاً، ومع ذلك كنت أشم فيها رائحة الطين وحرارة ذلك الصيف البعيد. فتحت تطبيقاً وأعطيته الصورة ليصلحها. في ثوانٍ، اختفت الخدوش واتضحت الوجوه. كانت النتيجة مذهلة لكن قلبي لم يطمئن، ما رأيته لم يكن بيتنا، بل كان بيتاً مرتباً بلا تاريخ وبلا رائحة. أدركت حينها أن الخوارزمية لم تخذل الهوية لأنها فشلت، بل لأنها نجحت أكثر من اللازم.
الذكاء الاصطناعي لم يسقط من السماء، نحن من أطعمناه كل ما نملك. يعرف الكلمات والأفكار، ويجهل الصمت والحكمة التي نستمدها من الخطأ والندم. هو مرآة تعكس ما نقوله. وحين نطلب منه كتابة هويتنا، يُعطينا تلك الصورة النظيفة الخالية من الروح.
الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة كبشر، بل في أن نبدأ نحن بالتفكير كخوارزميات. في سباق الكفاءة، صار الصبر عبئاً والتأمل والتفكر ضياعاً للوقت. استبدلنا المجالس باجتماعات، والصديق بمتابعين. كان الصمت عند آبائنا فضيلة واليوم صار خللاً تقنياً. والهوية الخليجية بُنيت على نقيض هذا تماماً، بُنيت على البطء الذي تحتاج اليه القهوة لتنضج، والقصيدة لتكتمل.
الهوية لا تُورث كألبوم صور ينتقل من جيل لجيل بل تُنتزع بالاحتكاك والعلاقات. والذكاء الاصطناعي مزيل للاحتكاك، يجعل كل شيء سهلاً، والسهولة هي عدو الذاكرة. إذا أزالت التقنية كل العثرات من طريقنا، سنصل سريعاً، لكننا سنصل بلا ملامح، لنذوب في هوية رقمية موحدة هي أخطر أنواع الهيمنة، لأنها تحتل الخيال قبل الأرض. الخوارزمية لا تشم رائحة الهيل في القهوة، ترى فناجيننا كأي فنجان في العالم. غرفة انتظار واسعة ومريحة ومعقمة لكنها بلا نوافذ تطل على تاريخنا.
ومع الوقت، لا تختفي هويتنا تماماً، بل تتحول إلى شيء نعود إليه أحياناً بدافع الحنين، كما يعود البعض إلى سيارة قديمة يكتفي بالنظر إليها. ربما سنتعامل مع التقنية كما تعاملنا مع النفط، قوة هائلة تغيّر حياتنا دون أن تغيّر معناها، فالخوارزمية ستصبح أذكى كل يوم، لكنها لن تفهم أبداً لماذا يحتفظ إنسان بصورة ممزقة فقط لأنها تؤلمه.
في النهاية، أعود لتلك الصورة. استعدتُ وضوحها وفقدتُ حقيقتها. والسؤال: هل الهوية إرث ساكن، أم شيء نصنعه ونعاني منه يومياً؟ وإذا توقفنا عن صنعه لأن الآلة تنوب عنا، فهل يبقى منا شيء؟
لا إجابة هنا، فقط دعوة للحفاظ على الاهتزاز في أرواحنا. سأبقى أبحث عن بيتنا في الصورة الممزقة، وأترك النسخة المثالية، لأن الإنسان الحقيقي دائماً ناقص قليلاً وهذا النقص بالضبط هو ما لا تعرفه الخوارزمية.
