الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ما معنى الثراء في زمن المال الجديد؟

27 أبريل 2026 00:26 صباحًا | آخر تحديث: 27 أبريل 00:26 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
«هل نمتلك الأشياء حقاً، أم أنها هي التي تمتلكنا حين نضطر لعرضها؟».
هذه الفكرة ألحّت عليّ وأنا جالس مع صديق قديم، رجل يملك من الثروة ما يكفي لأجيال، ومع ذلك لا تجد له أثراً في ضجيج المنصات. كان يرتدي ساعة بسيطة، ويتحدث عن تفاصيل يومه بهدوء، كأن الحياة عنده لا تحتاج إلى أن تُروى. وحين سألته عن سر هذا الاكتفاء، قالها ببساطة: «تعودت على هذه الحياة.. ربما لأنها تناسبني». بقيت الجملة ترن في ذهني، الثراء عنده ليس شيئاً يُعرض، بل حالة تُعاش.
ثمة اليوم نوع من الثراء لا يحتمل الصمت إذا لم يُرَ ما تملك، فكأنك لا تملكه بما يكفي. تغيّر السؤال، بهدوء، من «كم نملك؟» إلى «كم يُرى مما نملك؟»، لتتحول الحياة من تجربة شخصية إلى منصة عرض. والفرق بين السؤالين هو كل الفرق.
هذا التحول يكشف عن شيء أعمق. لم يعد الثراء قيمة تُضاف إلى الحياة، بل أصبح أحياناً الطريقة التي يُعرّف بها الإنسان نفسه. كان المال وسيلة للاستثمار أو للنفوذ الصامت، لكنه أصبح أحياناً إجابة عن سؤال داخلي لا يُقال بصوت عالٍ: من أنا؟
حين يتحول المال من أداة نستخدمها إلى معنى نستند إليه، لا يصبح عرض نمط الحياة مجرد خيار بل حاجة؛ لأن الغياب عن المشهد قد يبدو، عند البعض، كأنه غياب عن الوجود نفسه.
في زمن المنصات، تكافئ الخوارزميات ما نعرضه على شاشاتنا، لا ما نملكه في جيوبنا. ومع الوقت يتشكل نوع مختلف من الثراء، لا يكتفي بأن يكون موجوداً. هذا الثراء، رغم حضوره الصاخب وتأثيره، يبدو غير مطمئن إلى نفسه، يخشى الغياب والانقطاع، حتى ينسى أن يحتفي بما يملك.
وثمة ثراء آخر أكثر هدوءاً لا يبحث عن اعتراف الآخرين بقدر ما يكتفي بوعي صاحبه به. أولئك الذين يملكون الكثير ويعيشون ببساطة لافتة لا يختفون، لكنهم لا يشعرون بالحاجة لأن يشرحوا أنفسهم. حضورهم في أثرهم، لا في صورهم.
قال سينيكا يوماً: «من لا يقنعه ما يكفي، لا يقنعه شيء»، والمال في جوهره وسيلة تنظّم الحياة وتسهّلها، لكنها لا تمنحها معناها، فلماذا نحاول أحياناً أن نصنع من المال معنى عبر عرضه ونشره؟
ما نراه اليوم ليس احتفاءً بالثراء، بل محاولة لمنحه معنى يتجاوزه. وكأن العرض، في بعض لحظاته، ليس لإقناع الآخرين، بل لطمأنة صاحبه.
ربما لا تكمن المسألة في الثراء نفسه، بل في ما أصبح يعنيه لنا. وربما ما يخشاه الإنسان الحديث ليس أن يملك القليل، بل أن يملك ما يكفي، ويمر في هذه الحياة دون أن يُرى.

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه