هناك حالات يتحول فيها الطموح من محركٍ نحو النجاح والتميز، ليصبح عبئاً نفسياً واجتماعياً على الفرد، عبئاً يسبب له الكثير من المشاكل والخصام، ومثل هذا الوضع قد نلاحظه في بيئات العمل، فضلاً عن المؤسسات التعليمية. يتحول هذا الطموح إلى جانب سلبي عندما يقود صاحبه نحو الابتعاد عن التوازن والموضوعية، ومعها يصبح ينظر للآخرين كعقبات بدلاً من كونهم شركاء. هناك فرق جوهري بين السعي نحو التميز وبين الوقوع في فخ «الكمالية» الذي يؤدي إلى الاحتراق النفسي؛ إذ يتحول الطموح حينها إلى عقدة استحقاق، ويصبح أداة للصراع.
وعلى سبيل المثال، يصبح النجاح في نظر هؤلاء كأنه «كعكة»، إن قام أحدهم بأخذ قطعة منها، فكأنها فرصة فُقدت من صاحب الطموح المرضي، وهذه العقلية هي ما يحول الزملاء إلى أعداء. في مثل هذه الحالة، يصل الذكاء العاطفي إلى أدنى مستوياته، ويضحي الشخص بعلاقاته الإنسانية، ويقاوم العمل الجماعي مقابل صعوده الفردي. وقد تظهر عليه أعراض الانطواء والعزلة، وهو انطواء قد يكون دفاعياً؛ لرغبته في إخفاء خططه أو العمل في صمت بعيداً عن الأعين خوفاً من المنافسين. وهنا قد يحدث ما يشبه «ذوبان الشخصية»، إذا صح التوصيف، حيث تنحصر في مسمى وظيفي أو درجة علمية، ويُهمل تماماً جوانب حياتية أخرى مهمة. لذا، من المهم على كل فرد لديه طموح وطاقة للجد والاجتهاد والإبداع، أن يضع لنفسه «سقفاً ذكياً» لا يقتل فيه الشغف، بل يكون موضوعياً ودقيقاً، ولديه معرفة بالمدى الذي قد يصل إليه في كل مرحلة من المراحل دون محاولة القفز أو التجاوز. هذا الذكاء يكمن في الانتقال من مفهوم «التفوق على الآخرين» إلى «النجاح مع الآخرين»، خاصة في المناهج الدراسية التي تتطلب المشاركة، أو بيئات العمل ومشاريعها التي تتطلب التعاون وتبادل الخبرات.
بلا شك، الطموح مطلب وغاية، وأساس للنجاح والتميز في سياقه الطبيعي الصحي، عندها سيكون بمثابة السلم للصعود وتحقيق الأهداف. أما الطموح المرضي، فهو ميدان لصراعات مع الآخرين، صراعات غير مبررة تستهلك الجهد والوقت، ولا تحقق الأهداف الحقيقية. توجه نحو الطموح الذي يفيدك ويرتقي بك، لا ذلك الذي يحطمك ويسبب تراجعك.
