الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الحصار المزدوج.. والعالم بين الرعب والترقب

13 مايو 2026 00:16 صباحًا | آخر تحديث: 13 مايو 00:17 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
ما دفعني إلى تناول موضوع الحصار المزدوج على مضيق هرمز لم يكن خطورة اللحظة الجيوسياسية فقط، بل حجم الخلط الذي تتناقله البرامج التلفزيونية عند محاولة تفسير الوضع القانوني للمضيق. فقد بات من المألوف أن يستشهد بعض المحللين ببنود من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وكأنها تنطبق تلقائياً على هرمز، على الرغم من أن إيران والولايات المتحدة ليستا طرفين في الاتفاقية، ما يجعل تلك البنود بلا قوة إلزامية في هذا السياق. والأسوأ، أن بعض الطروحات تلجأ إلى معاهدات لا وجود لها في القانون البحري - مثل ما يسمى «معاهدة جوميكا» - أو إلى نصوص لا علاقة لها بالمضائق الدولية، في محاولة لإضفاء شرعية قانونية على مواقف، سياسية أو عسكرية.
هذا الخلط بين القانون والواقع، وبين النصوص والوقائع، يخلق صورة مضلّلة لدى الجمهور، ويجعل من الضروري تقديم قراءة دقيقة تستند إلى ما هو قائم فعلاً: فراغ قانوني، حصار مزدوج، منظمة بحرية بلا أدوات إنفاذ، واقتصاد عالمي يقف بين الرعب والترقب.
في لحظة تاريخية تتقاطع فيها الجغرافيا بالقوة، ويختلط فيها القانون بالفراغ، يجد العالم نفسه أمام مشهد بحري غير مسبوق: مضيق هرمز، الشريان الذي يمرّ عبره خمس الطاقة العالمية، يتحول إلى مسرح حصار مزدوج، من الداخل والخارج. وبينما تتبادل القوى الإقليمية والدولية رسائل الضغط، تقف الأسواق العالمية على أطراف أصابعها، ويعيش الاقتصاد الدولي حالة من الرعب والترقب، خشية أن يتحول هذا الاختناق البحري إلى أزمة طاقة عالمية، لا يمكن احتواؤها بسهولة.
أهم مضيق للطاقة في العالم يقع بين دولتين ليستا طرفاً في اتفاقية قانون البحار، وتحت نظر منظمة بحرية دولية لا تملك أدوات الإنفاذ.
وغياب التزام إيران والولايات المتحدة باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يعني أن مبدأ «المرور العابر» الذي يحمي الملاحة في المضائق الدولية لا يمكن الاحتجاج به قانونياً. كما أن اللجوء إلى محكمة قانون البحار غير ممكن، ومحكمة العدل الدولية تحتاج إلى قبول الطرفين، وهو أمر مستبعد. وهكذا يصبح القانون العرفي الدولي - الأقل تحديداً - هو المرجع الوحيد، ما يفتح الباب لتفسيرات متضاربة، ويجعل المضيق ساحة مفتوحة للقوة، لا للقانون.
في هذا الفراغ القانوني، تقف «المنظمة البحرية الدولية» أمام أزمة تتجاوز صلاحياتها. فهي لا تملك قوات بحرية، ولا أدوات عقوبات، ولا تستطيع إجبار دولة على فتح مضيق، أو منع أخرى من فرض حصار. ما تملكه هو إصدار تحذيرات ملاحية، وتوصيات فنية، وإدانة الهجمات على السفن، وتذكير الدول بالتزاماتها في اتفاقيات السلامة، والتلوث، وأمن السفن. لكن «العقاب» الحقيقي لا يأتي من المنظمة نفسها، بل من تفاعل النظام البحري العالمي معها: شركات التأمين ترفع الأقساط أو توقف التغطية، الموانئ تشدّد إجراءاتها على سفن دول معينة، شركات الشحن تعيد توجيه أساطيلها، وكل ذلك ينعكس في صورة كُلف إضافية على الدول التي تتجاهل المعايير الدولية. إنها قوة ضغط ناعمة، لكنها ليست بديلة عن قوة الإنفاذ الصلبة التي يملكها مجلس الأمن، أو التحالفات العسكرية.
تأثير الإغلاق في الاقتصاد العالمي مباشر وسريع. فاختفاء ما بين 8 إلى 10 ملايين برميل يومياً من الإمدادات القابلة للوصول إلى الأسواق - بسبب محدودية البدائل عبر خطوط الأنابيب - يعني قفزات حادة في الأسعار، واضطراباً في سلاسل الإمداد، وارتفاعاً في كُلف الشحن والتأمين. والأسواق لا تتفاعل مع الكميات الفعلية فقط، بل مع الخوف من المجهول.
ومن المهم هنا تصحيح الاعتقاد الشائع بأن ارتفاع أسعار النفط والغاز يفيد الدول المصدّرة. فالحقيقة أن الدول المصدّرة في الخليج تتعرض لخسائر مباشرة وفورية، لأن المشكلة ليست في السعر، بل في عدم القدرة على التصدير. ومع توقف مرور السفن، تمتلئ الخزانات بسرعة، وتضطر الدول إلى خفض الإنتاج قسراً، ما يعني خسارة كميات كبيرة من الإيرادات اليومية، حتى لو ارتفعت الأسعار عالمياً. كما ترتفع كُلف الشحن والتأمين بشكل حاد، وتفرض شركات التأمين علاوات مخاطر قد تصل إلى أضعاف الكلفة المعتادة، بينما ترفض بعض السفن دخول المنطقة.
وعلى الرغم من أن الوضع يبدو غير مسبوق، إلا أن التاريخ يقدم حالات مشابهة تكشف أن المضائق البحرية كانت دائماً نقاط ضعف استراتيجية. إغلاق قناة السويس بين 1967 و1975 - أطول إغلاق لممر بحري عالمي - أدى إلى تحويل الملاحة حول رأس الرجاء الصالح، ورفع كُلف الشحن، وترك «الأسطول الأصفر» عالقاً لثماني سنوات. كما شهد مضيق باب المندب إغلاقاً جزئياً عام 1973، ما أثر في إمدادات النفط إلى أوروبا. وفي الحرب العالمية الأولى، استخدمت الدولة العثمانية مضيقَي البوسفور والدردنيل كورقة ضغط ضد روسيا.
لكن ما يجعل الوضع الحالي فريداً هو اجتماع ثلاثة عناصر نادرة: حصار مزدوج من الداخل والخارج، غياب شبه كامل للإطار القانوني المنظم للمضائق الدولية، واعتماد عالمي على المضيق أكبر بكثير مما كان في أيّ مضيق آخر في التاريخ.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة