في «اقتصاد الاحتمال»، لا تتحرك الأسواق وفق ما حدث فعلاً فقط، بل وفق ما قد يحدث. وهنا يصبح المُحَلل الاقتصادي، و«الإشاعة»، جزءاً من صناعة السوق نفسه.
في أزمنة التوترات الكبرى كالحروب، أو تهديد الممرات البحرية، أو أزمات الطاقة، تتحول الأسواق إلى كائن شديد الحساسية تجاه الاحتمالات. ومجرّد تصريح، أو تسريب، أو صورة قمر صناعي، أو حتى تغريدة غامضة، قد ترفع النفط، أو الذهب، أو الدولار، خلال دقائق، حتى لو لم يقع الحدث بعد. والمُحلل الاقتصادي في هذا النوع من التوقعات يتولى دوراً مهماً لا يقتصر على شرح الأرقام الحالية، بل يتجاوزها الى تقدير سناريوهات مُحتَملة، بحيث يحسب درجة الخطر الذي «قد» يقع، واحتمالات الأثر قبل وقوعه، ثم تحويل الأخبار السياسية والعسكرية الى لغة مالية تؤثر مباشرة في ارتفاع وهبوط بأسواق المال، على الرغم من أن التحليل لا يعدو مُجَرد «احتمال».
فعندما يكتب مُحلل في «Goldman Sachs»، أو «JP Morgan»، أن احتمال إغلاق مضيق هرمز قد يدفع النفط الى 150 دولاراً، فإن السوق لا ينتظر وقوع الإغلاق فعلاً، بل يبدأ بالتسعير المُبَكّر للخطر. وهنا يظهر مفهوم «السوق يشتري الاحتمال قبل الحقيقة».
أما «الإشاعة» فتلعب دوراً مهماً. هي الأداة المالية التي تسبق الحقيقة، الإشاعة لا تحتاج إلى أن تكون صحيحة بالكامل كي تؤثر، يكفي أن تكون «قابلة للتصديق» حتى تدفع المستثمرين الى التصرف، بدافع الخوف أو الطمع. وغالباً من تنتشر الإشاعات خلال الأزمات. إشاعات حول إغلاق ممرات بحرية، تسريبات عن عقوبات، أخبار غير مؤكدة عن ضربات عسكرية، تسريبات عن أسعار الفائدة، معلومات عن نقص في معروض النفط، أو الغذاء. وفي كثير من الأحيان تكون الإشاعة موجهة لتحقيق هدف مالي أو سياسي. الإشاعات حينما تنتشر تدفع باتجاه رفع الأسعار أو خفضها، دفع المستثمرين للبيع الجماعي، تخويف الأسواق، أو تحسين موقع تفاوضي معين لدولة أو شركة، وتحقيق أرباح ضخمة عند المضاربة، لذلك لا يمكن أبداً الاستهانة بقدرة الإشاعة على التلاعب بالأسوق في زمن «اقتصاد الاحتمال».
ولكن من يحرك الإشاعات؟ ليس هناك دائماً فاعل واحد. تاريخ الأسواق يُظهر أن الاشاعات قد تصدر أو تستثمر من: مضاربين كبار، أو صناديق تحويط، أو وسائل إعلام تبحث عن سبق، أو أطراف سياسية وأجهزة حرب نفسية. وقد تصدر حتى من متداولين صغار على المنصات الرقمية. وقد شهدت الأسواق أمثلة شهيرة، مثل الشائعة التي انتشرت خلال حرب الخليج الثانية وكانت حول حقول النفط العراقية فأثرت في الأسعار. وفي أثناء الأزمة المالية العالمية 2008 انتشرت شائعات عن انهيار بنوك كبرى، ما سرّع الذعر المالي. وفي أزمة كوفيد -19، كانت الأسواق تتحرك أحياناً بناء على تسريبات أو تصريحات غير مؤكدة قبل البيانات الرسمية.
ونسأل لماذا تنعكس الاشاعات بسرعة على الأسواق المالية؟ لأن السوق بطبيعته يكره «الفراغ المعلوماتي» حين يغيب اليقين. يحاول المستثمرون شراء الأمان، أو الهروب من الخطر بسرعة، فيحدث ارتفاع النفط بسبب الخوف على الإمدادات. ويرتفع الذهب كملاذ آمن، ويرتفع الدولار أحياناً باعتباره أكثر العملات سيولة، وتهبط أسهم بسبب القلق. هنا لا تتحرك الأسواق وفق «الواقع الحالي» بل وفق السؤال: «كم قد نخسر إذا تحقق الاحتمال؟»، أي أن الخوف من الحدث قد يكون أحياناً، أقوى من الحدث نفسه. والمفارقة الخطرة في اقتصاد الاحتمال، قد تصبح التوقعات سبباً في خلق الأزمة التي كانت مجرّد احتمال.
كيف يحدث ذلك؟ عندما تنتشر إشاعة تثير مخاوف المستثمرين تُسَحب الأموال وترتفع كلفة التأمين، وتتعطل الشحنات، وبالتالي ترتفع أسعار الطاقة، وتبدأ الأزمة الاقتصادية فعلاً. أي أن السوق أحياناً «يصنع» الواقع الذي كان يخشاه.
وأهم مثال أمامنا أزمة «سوق المناخ» في الكويت عام 1982، لم تكن مجرّد انهيار مالي تقليدي، بل مثالاً عربياً مُبَكراً لما يمكن أن تفعله «الإشاعة الكاذبة»، حينما تتحول الى اقتصاد كامل من الخوف. كانت الإشاعات تبني ثروة وهمية ثم تُسقطها دفعة واحدة. في ذلك الوقت، كان السوق يعيش على احتمال الصعود، لا على قيمة اقتصادية فعلية.
إن أخطر ما في «اقتصاد الاحتمال» أنه ينتشر اليوم في فوضى التواصل الاجتماعي. والأخطر أن المُحتَمل، يتكرر ليصبح إشاعة، و«الإشاعة» تصبح «حقيقة»، لأن الناس صدقوها فقط.
*كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية
