من الظواهر الملحوظة في العصر الرقمي الذي نعيشه، عصر التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، هو الانشغال الدائم بجوانب غير ملحة، والاهتمام بأمور هامشية، جميعها تؤثر في جودة العلاقة داخل الأسرة، وتجعل من حضورنا حضوراً جسدياً، لكن هناك غياباً واضحاً وماثلاً بسبب العالم الافتراضي، الذي يحد من التواصل الدافئ، ويحد من سماع الكلمات العميقة التي تصدر من الأم والأب.
خلال التجمعات الأسرية، ووسط الضحكات التي تقطعها منبهات رسائل مواقع التواصل الاجتماعي، جوالاتنا لا تكاد تنفك من بين أيدينا، نقوم بالقراءة والمشاهدة والاستماع أو الرد على الرسائل التي تقتحم هذا التجمع، وتجعل من حضورنا حضوراً هامشياً غير عميق، حضوراً جسدياً متجرداً من المشاعر والأحاسيس، ينتهي كما بدأ دون أي عاطفة أو قيمة وجدانية.
البعض يجلس على مائدة الطعام وقد فقد الحوار مع أفراد عائلته، وبقيت فقط نكهة الطعام، فهو في عالم آخر، لا يترك هاتفه الجوال، بل إن البعض على مائدة الطعام يختار مقطعاً ما لمتابعته خلال تناوله الطعام، الأسرة التي كانت فيما مضى، وحتى وقت قريب، تجتمع وكأنها تعقد جلسة برلمانية للحوار ومناقشة الهموم وبحث الحلول، وتقديم الدعم والمشورة لكل من يحتاجها من أفراد الأسرة، كأن دورها بات منفصلاً عن الواقع، منفصلاً عن رتم الحياة البشرية، لأن كل فرد من أفراد تلك الأسرة في عالم افتراضي بعيد عن الآخر، ليصبح الحضور، إن تم، عبارة عن حضور شكلي، دون حضور للعقل بكامل طاقته، ودون حضور للاهتمام بمختلف جوانبه.
مثل هذا الوضع يجعل الفرد كأنه يعيش في غربة، غربة حقيقية، يشعر خلالها بالوحدة، ويحس تماماً بأنه في مواجهة التحديات دون أي دعم أو مساعدة. والمشكلة أن الجميع يرون بأنهم مع بعضهم البعض، لكنهم في اللحظة نفسها يشعرون بمشاعر الفقد والاغتراب، وكأنهم لا يعرفون السبب، وأين الخطأ، مثل هذا الوضع قد ينتج عنه حالة من التوتر والقلق، ونحوها من الاضطرابات النفسية، لأن الإنسان مهما ابتعد، ومهما انشغل، يبقى كائناً اجتماعياً، كائناً يحتاج للآخر، يحتاج للدفء البشري، يحتاج لنغمة الصوت الإنساني، والإرشاد وسماع الاهتمام، وإذا تم استبدال هذا جميعه بالعالم الافتراضي ومنتجاته، فإنه يبقى مستهلكاً من ضمن ملايين المستهلكين ولا أكثر، وفي نهاية المطاف، سيدفع الثمن بالألم والمطبات الحياتية التي سيواجهها منفرداً وهو أعزل من الدعم ومن المعرفة والخبرة الحياتية، لا خيار ولا بديل عن الأسرة، لا خيار عن الأب والأم، ولا عن التواصل البشري، ولا عن أخواتك وإخوانك.
