صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
راسل قاسم
كاتب
أحدث مقالات راسل قاسم
2 أبريل 2026
كيف تخدعنا عقولنا لنتخلى عن أفضل الأفكار؟

إذا ما نظرنا إلى جلسات العصف الذهني وأنشطة توليد الأفكار في المؤسسات، نستطيع أن نرصد ظاهرة متكررة؛ ففي الدقائق الأولى، تتسارع وتيرة الطرح وتتدفق المقترحات بمرونة وزخم ملحوظين، إلا أن هذا التدفق سرعان ما يتباطأ ليحل محله السكون الفكري. وغالباً ما يدفع هذا الركود المفاجئ المديرين وقادة الفرق إلى اختتام الجلسات مبكراً، مدفوعين باعتقاد سائد بأن القدرات الإبداعية للفريق قد استُنفدت، وأن ذروة الإنتاج المعرفي قد تحققت بالفعل. ولكن يجول في خاطري هنا تساؤل مهم: ماذا لو كان هذا التراجع الظاهري في تدفق الأفكار ليس سوى وهم معرفي يخدع عقولنا؟ وماذا لو كانت لحظة الصمت هذه هي المخاض الفعلي لولادة الابتكار الأصيل؟
يتجلى هنا مفهوم علمي عميق يُعرف بـوهم جرف الإبداع (The Creative Cliff Illusion). وقد سلطت العديد من الدراسات الضوء على هذه الظاهرة منها دراسة مرجعية نشرت في مجلة الأكاديمية الأمريكية الوطنية للعلوم عام 2020. فقد أثبتت الأبحاث التي شملت ثماني دراسات مخبرية وميدانية، وجود فجوة كبيرة بين توقعاتنا وواقعنا المعرفي. فالناس يميلون إلى الاعتقاد بأن قدرتهم على إنتاج أفكار إبداعية تنحدر بشكل حاد بمرور الوقت، تماماً كالسقوط من على جرف، بينما تُظهر القياسات الموضوعية لجودة الأفكار أن الأداء الإبداعي في الواقع لا ينهار، بل يميل إلى الاستقرار أو حتى التحسن الملحوظ كلما استمرت جلسة العصف الذهني.
ولفهم جذور هذه الظاهرة النفسية، يجب أن نطّلع على ما يعرف بالمشاعر فوق المعرفية. ببساطة، تخلط عقولنا باستمرار بين سهولة إنتاج الفكرة وبين جودتها. في بداية أي جلسة تفكير، يكون استدعاء الأفكار المألوفة والتقليدية أمراً سهلاً وسريعاً، مما يعطينا شعوراً زائفاً بالإنتاجية العالية. ولكن عندما تستنفد هذه الأفكار السطحية، يبدأ العقل في بذل جهد حقيقي لربط مفاهيم جديدة ومتباعدة لخلق شيء مبتكر. هذا الجهد يترجم فوراً إلى إحساس بالصعوبة والبطء، فيفسره الفرد عن طريق الخطأ على أنه نضوب في طاقته الإبداعية، مع أن هذه الأفكار التي تأتي بصعوبة هي في الغالب الأكثر جدّة وأصالة.
وعلى الصعيد المؤسسي، تدفع بيئات العمل ضريبة باهظة نتيجة هذا الوهم. فالاعتقاد الخاطئ بتراجع الإبداع يقلل من مثابرة الأفراد، مما يدفع الفرق إلى التوقف مبكراً والرضا بأولى الأفكار المطروحة. هذا الركون للمألوف يحرم المؤسسات من الوصول إلى الابتكارات الاستثنائية والحلول الجذرية، ويجعلها تدور في فلك التحسينات الطفيفة والآمنة. تشير الأبحاث إلى أن الوقود الإبداعي لا يزال متوفراً ومخزوناً لدى الموظفين، لكن غياب الوعي بهذا الوهم المعرفي يجعلهم يرفعون راية الاستسلام الذهني قبل الأوان، مما يضعف الأداء الإبداعي الكلي لمنظومة العمل. وإلى جانب التعب المعرفي، يلعب المناخ التنظيمي دوراً أساسياً في تسريع السقوط في هذا الفخ، وتحديداً من خلال مستوى الأمان النفسي المتاح داخل فرق العمل. ففي كثير من الأحيان، لا يكون التوقف المفاجئ عن طرح الأفكار ناتجاً عن نضوب القدرة العقلية فحسب، بل عن الخوف المبطن من التقييم. بمجرد استنفاد الأفكار الآمنة والمألوفة التي تحظى بالقبول السريع والاعتيادي، تصبح الأفكار اللاحقة بطبيعتها أكثر غرابة وتتطلب مخاطرة أكبر لتقديمها. وإذا لم ينجح القائد في ترسيخ بيئة عمل آمنة تتقبل الطرح الجريء والمختلف دون إطلاق أحكام مسبقة، فإن الموظفين سيحتمون لا شعورياً خلف هذا الجرف الإبداعي الوهمي، متخذين منه عذراً منطقياً ومقبولاً للتوقف والانعزال هرباً من دائرة النقد.
ولمواجهة هذا التحدي، يتوجب على القادة والمديرين تبنّي استراتيجيات مغايرة في إدارة العمليات الإبداعية، مدعومة بتوصيات علمية وعملية. يبدأ الحل بإعادة هندسة جلسات توليد الأفكار من خلال زيادة الوقت المخصص لها، وتجاوز الدقائق الأولى التي غالباً ما تفرز البديهيات فقط. كما يمكن تغيير معايير النجاح في هذه الجلسات عبر التركيز على حصص الأفكار بدلاً من الحدود الزمنية؛ كأن يُطلب من الفريق عدم إنهاء الاجتماع قبل تدوين عدد معين من الأفكار، مما يجبر العقل على كسر حاجز التعب الوهمي. الأهم من ذلك هو دور القائد في طمأنة فريقه، وتأسيس ثقافة تدرك أن الشعور بالجمود والصعوبة ليس نهاية الطريق، بل هو البوابة التي نعبر منها نحو الأفكار الأصيلة. فالإبداع الحقيقي لا يتطلب ومضة إلهام عابرة فحسب، بل يتطلب مثابرة ذهنية تتحدى الوهم.
كذلك يمكن توظيف استراتيجية الأثلاث الثلاثة للتعامل مع هذا التحدي. تقوم هذه الطريقة على تقسيم جلسة العصف الذهني، أو الحصة المستهدفة من الأفكار، إلى ثلاث مراحل متتالية. في الثلث الأول، يُفرغ العقل حمولته من الأفكار البديهية والمكررة. وفي الثلث الثاني، تبدأ مرحلة التخبط المعرفي الإيجابي حيث تظهر أفكار معقدة أو ربما غير قابلة للتنفيذ بصورتها المبدئية.

24 فبراير 2026
فخ الهلوسة المؤسسية والعمى الوظيفي

في مختبرات علم النفس العصبية، ثمة ظاهرة مثيرة للدهشة تُعرف بتأثير هلاوس الحرمان الحسي، أو تأثير غانزفيلد Ganzfeld Effect، حيث يؤدي تعريض الإنسان لمجال بصري ثابت لفترة من الزمن إلى حالة من الحرمان الحسي، تجبر الدماغ على اختراع صور وهلوسات لا وجود لها لسد الفراغ المعلوماتي.

لكن بعيداً عن أروقة المختبرات، تبدو هذه الظاهرة وكأنها استعارة دقيقة لواقع تعيشه اليوم العديد من المؤسسات وكذلك المديرين. فعندما تغرق الإدارة في رتابة التقارير النمطية، وتتجمد بيئة العمل في قوالب إجرائية لا تتغير، يدخل العقل المؤسسي في حالة من العمى الوظيفي. يبدأ هنا القادة برؤية أنماط نمو وهمية أو تخيّل أزمات غير موجودة، ليس لنقص في الكفاءة، بل لأن الركود الحسّي والمهني جعل بوصلة القرار تفقد قدرتها على تمييز الواقع من الوهم.

الخطورة الحقيقية تكمن في البيئات الإدارية المستقرة بشكل مبالغ فيه، حيث إنها تتحول بمرور الوقت إلى مجال غانزفيلد معنوي، فتصبح لغة الأرقام والتقارير الأسبوعية مكررة لدرجة تفقد معها معناها وقدرتها على التحفيز. وفي هذه الحالة من الحرمان المعلوماتي الفعال، يبدأ الدماغ القيادي في تخليق أنماط إدارية غير موجودة، فقد يرى المدير في تذبذب بسيط وعشوائي في المبيعات بداية كارثة تستوجب تقليص النفقات، أو قد يتوهم في استقرار روتيني نمواً استراتيجياً مستداماً. هذا النوع من الهلوسة المؤسسية ليس سوى رد فعل دفاعي للعقل البشري الذي يكره الفراغ، فإذا لم تمده المؤسسة ببيانات حية، وتحديات متغيرة، ودماء جديدة في بيئة العمل، فإنه سيبدأ برسم خريطة طريق وهمية، يقود بها المنظمة نحو قرارات مبنية على انطباعات بصرية مشوشة بدلاً من الحقائق المهنية.

لا تتوقف تداعيات تأثير غانزفيلد عند حدود المكاتب القيادية، بل تمتد لتصيب الهيكل التنظيمي عبر ما اقتُرح تسميته بالعمى الوظيفي المكتسب، فالموظف الذي يجد نفسه حبيس مهام مكررة تخلو من التحدي أو التغيير البصري والذهني، يبدأ عقله تدريجياً في فصل الاتصال بالواقع المحيط، تماماً كما يحدث لمن يحدق في بياض مطلق. في هذه الحالة، يتحول العمل إلى ضجيج أبيض لا يستثير الانتباه، ما يؤدي إلى تزايد الأخطاء التشغيلية التي تحدث أمام الأعين دون أن يلحظها أحد، ببساطة لأن الدماغ توقف عن معالجة المدخلات المألوفة.

إن الاحتراق الوظيفي الهادئ ليس دائماً نتيجة ضغط العمل، بل هو أحياناً نتيجة لهذا الفراغ المحفز، حيث يفقد الموظف القدرة على التفريق بين الإنجاز الحقيقي والروتين الآلي، وتصبح المؤسسة في نهاية المطاف كياناً يهلوس بالنشاط بينما هو في الحقيقة يغرق في سكون ذهني يعوق أي محاولة للتطوير أو التجديد.

لمواجهة هذا النوع من التآكل الذهني المؤسسي، يتعين على الإدارة الحديثة تبني مفهوم التشويش الإيجابي كأداة لاستعادة الحيوية الذهنية لفرق العمل. تبدأ هذه الاستراتيجية بكسر المجال الموحّد عبر تدوير المهام بشكل استراتيجي، الأمر الذي يفرض على العقل زوايا رؤية جديدة، مروراً بتصميم بيئات عمل هجينة وديناميكية تكسر جمود المشهد البصري اليومي.

علاوة على ذلك، يجب على القادة تشجيع ثقافة الاعتراض البنّاء في الاجتماعات، فإدخال ضجيج فكري يؤدي إلى كسر حالة الإجماع الصامت الرتيب، وهو بمثابة صدمة إيجابية تعيد الدماغ من حالة الهلوسة والشرود إلى حالة التركيز والتحليل. إن المؤسسة التي تتعمد ضخ متغيرات جديدة في أعمالها اليومية هي وحدها التي تضمن بقاء رؤيتها الاستراتيجية واضحة، بعيدة عن ضبابية هلاوس الحرمان الحسي التي تجعل المنظمات ترى السراب وكأنه واحات من الفرص.

إن الاختبار الحقيقي للقائد اليوم، لا يكمن في قدرته على الحفاظ على استقرار مسار العمل فحسب، بل في شجاعته على زعزعة السكون الخادع قبل أن يتحول إلى قيد ذهني، فطاحونة الاقتصاد لا ترحم الكيانات التي استسلمت لراحة المشهد الموحد، تلك التي تكتفي بالنظر إلى ما تألفه حتى تفقد القدرة على رؤية ما يحيط بها فعلياً.

إن الترياق الإداري في هذه الحالة ليس في البحث عن المزيد من البيانات، بل في استعادة دهشة الرؤية الأولى، والتشكيك الدائم في كفاية ما هو مألوف. ففي اللحظة التي يقرر فيها المدير كسر رتابة المشهد، فإنه لا ينقذ فريقه من الهلوسة الوظيفية فحسب، بل يفتح نافذة حقيقية لرؤية الفرص الكامنة في الفوضى، والمخاطر المتخفية في ثياب الاستقرار.

* خبير إداري

[email protected]


18 يناير 2026
الملكية الفكرية في الاقتصاد الجديد

د. راسل قاسم*

تشير التقديرات الحديثة إلى أن ما يقارب 30 في المئة من الرؤساء التنفيذيين عالمياً سيعتمدون على توائم رقمية خلال السنوات القليلة المقبلة للمشاركة في الاجتماعات واتخاذ القرارات. لا يمكن لنا هنا أن ننظر إلى هذه التطورات كمجرد قفزة تقنية، بل هي تحوّل جذري في مفهوم الأصل المؤسسي نفسه، حيث لم تعد الأصول مقتصرة على براءات الاختراع والعلامات التجارية، بل امتدت لتشمل الصوت، والملامح، والهوية الرقمية، وحتى الخيال المنتج المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
وقد انتقلت هذه القضايا خلال العامين الأخيرين من دائرة النقاش النظري إلى منصات صنع القرار، وجرى تناولها بشكل مباشر في فعاليات دولية كبرى مثل القمة العالمية للحكومات، ومنتدى دبي للمستقبل، ومنتدى دافوس الاقتصادي العالمي، ومؤتمر باريس للذكاء الاصطناعي المسؤول، وحتى في مؤتمر الفضاء التجاري.
في هذا الإطار، تبدأ الأسئلة الاستراتيجية الصعبة بالظهور من قبيل: من يملك هذه الأصول؟ من يدير مخاطرها؟ ومن يتحمل مسؤولية إساءة استخدامها؟
لقد أصبح الاقتصاد الحديث قائماً على أصول لا تُمسك باليد كالبيانات، والنماذج الخوارزمية، والسمعة الرقمية، والهوية الشخصية للقادة، التي تحولت جميعها إلى عناصر تولد قيمة اقتصادية مباشرة. غير أن الأطر التنظيمية الحالية لا تزال تتعامل مع الملكية الفكرية بعقلية القرن العشرين، حيث كان المؤلف فرداً والعمل منتجاً مغلقاً والاستخدام قابلاً للضبط.
لكن يبدو أن الذكاء الاصطناعي قد كسر هذه المعادلة، فالنماذج التوليدية لا تكتفي بإعادة الإنتاج، بل تمارس ما يمكن تسميته الخيال الأدائي، أي توليد محتوى جديد انطلاقاً من تراكم معرفي جماعي، وهو ما يضع فكرة الاحتكار الصارم للملكية الفكرية على المحك، ويطرحها للنقاش على طاولة ساخنة.
لربما من أكثر الملفات حساسية في هذا الموضوع استخدام الأصوات والصور بعد وفاة أصحابها. نستذكر هنا الجدل الذي رافق قرار استوديوهات مارفل بعدم استخدام نسخة رقمية للممثل تشادويك بوزمان بعد وفاته خلال تصوير فيلم بلاك بانثر، وقد كشف ذلك عن فجوة أخلاقية وقانونية عميقة. المسألة هنا لم تكن تقنية، بل ذات بعد مؤسسي، لأنه يتعلق بحق الشركات في إحياء الأصول البشرية رقمياً دون موافقة صريحة.
الاستجابة التشريعية على ذلك بدأت بالظهور في بعض دول العالم، فقد تم في الولايات المتحدة اقتراح مشروع قانون رعاية الإبداع ودعم الفن وحماية صناعة الترفيه من التزييف، ليؤسس لحق قانوني صريح في الصوت والصورة باعتبارهما أصول ملكية تستمر حمايتها حتى بعد الوفاة، مع آليات واضحة للترخيص والتجديد والمساءلة، ويعكس هذا تحولاً نوعياً من حماية الإبداع إلى حماية الهوية ذاتها.
في المقابل، نشهد توجهاً موازياً نحو نماذج ملكية أكثر انفتاحاً تؤكد أن المشاركة لا تعني التخلي عن الحقوق. مثل إتاحة أرشيفات علمية وثقافية ضمن تراخيص المشاع الإبداعي كقيام ناسا بإتاحة ملايين الصور والبيانات العلمية والثقافية للجمهور تحت تراخيص مرنة تسمح بإعادة الاستخدام والتطوير، مع احتفاظها بالحق القانوني الأصلي. لم يُضعف هذا النموذج قيمة الأصول، بل عزّز أثرها الاقتصادي والمعرفي، وفتح المجال أمام ابتكارات جديدة في التعليم والصناعات الإبداعية.
إذا كان الذكاء الاصطناعي قد أربك الحدود القانونية على الأرض، فإن الفضاء يذهب بها إلى أبعد من ذلك. الأنشطة الفضائية التجارية تطرح سؤالاً حول أي قانون يطبق خارج الولاية الإقليمية.
اتفاقية محطة الفضاء الدولية قدمت حلاً عملياً قائماً على مبدأ الولاية حسب الوحدة، حيث يخضع كل جزء للقانون الوطني للدولة المالكة له، بما في ذلك براءات الاختراع والحقوق المرتبطة بالبيانات، غير أن هذا النموذج يبدو هشاً أمام موجة المحطات التجارية والقواعد القمرية القادمة.
أكدت دراسات المنظمة العالمية للملكية الفكرية منذ وقت مبكر أن غياب إطار دولي منسجم لحماية الملكية الفكرية في الفضاء قد يبطئ استثمارات القطاع الخاص ويزيد من النزاعات العابرة للحدود، وهو ما يكرس الفضاء كمختبر قاسٍ يكشف محدودية النماذج القانونية التقليدية.
من نافلة القول، أن إدارة الأصول في العقد القادم لن تقتصر على المحافظ المالية أو الملكيات المادية. وهناك حاجة إلى بناء أطر حوكمة شاملة للأصول غير الملموسة، مع ربطها باستراتيجيات إدارة الامتثال والمخاطر. وهذا ما سينقل المؤسسات من عقلية الحماية المطلقة إلى عقلية الحوكمة الذكية. 

*خبير إداري

18 ديسمبر 2025
كيف تغيّر فيزياء الكم قواعد الإدارة الحديثة؟

راسل قاسم

الفيزياء الكمومية أو ما يُعرف بفيزياء الكم هي الفرع الذي يختص بدراسة سلوك المادة والطاقة على المستوى الذري ودون الذري، حيث تسود ظواهر واحتمالات تختلف جذرياً عن قوانين الفيزياء الكلاسيكية. نشأت ميكانيكا الكم في مطلع القرن العشرين عبر سلسلة من الاكتشافات العلمية الرائدة غيّرت جذرياً فهمنا لسلوك الجسيمات في العالم دون الذري.
في جانب الإدارة، كثيراً ما تعجز النماذج الإدارية التقليدية ذات الفكر الخطي الجامد عن المواكبة الفعّالة. هنا يأتي دور الإدارة الكمومية كنهج فكري جديد مستلهم من مبادئ فيزياء الكم، بهدف تحدي الافتراضات الإدارية التقليدية الحتمية. وكما كسرت الفيزياء الكمومية الصورة النيوتنية الصارمة وقدمت فهماً يقوم على الاحتمالات والغموض، تدعو الإدارة الكمومية القادة إلى تقبّل عدم اليقين والتعقيد بدلاً من مقاومته.
لنسِر معاً عزيزي القارئ ونرى كيف يكون ذلك:
في ميكانيكا الكم، يصف مبدأ عدم اليقين الذي صاغه هايزنبرغ حدوداً أساسية للدقة في القياس؛ فهو ينص على أنه يستحيل تحديد بعض الخصائص المترابطة معاً مثل موضع الجسيم وسرعته بدقة في آن واحد. أي أن عملية القياس نفسها تؤثر في النظام وتُدخل قدراً من اللايقين، مما يجعل الظواهر دون الذرية احتمالية بطبيعتها وليست حتمية. وعلى المنوال نفسه في عالم الإدارة والأعمال، نادراً ما تتوافر للمديرين معلومات كاملة أو يقين تام حول جميع المعطيات قبل اتخاذ القرارات؛ فبيئة الأعمال حافلة بالمتغيرات الغامضة والمفاجآت. يشير التفكير الكمومي إلى ضرورة تقبّل القادة لهذا الغموض الكامن وعدم إمكانية التنبؤ اليقيني، والتحول من محاولة فرض السيطرة المطلقة، إلى بناء القدرة على التكيّف السريع واتخاذ القرارات بناءً على الاحتمالات وإدارة المخاطر.
} التراكب الكمي وتعددية الاحتمالات في صنع القرار:
في الفيزياء، يعني مبدأ التراكب الكمي قابلية الجسيم لامتلاك حالات متعددة في الوقت نفسه طالما لم يتم رصده أو قياسه. المثال الشهير على ذلك هو قطة شرودنغر الافتراضية، حيث توجد القطة في حالة حياة وحالة موت بشكل متزامن داخل صندوق مغلق إلى أن نفتح الصندوق ونلاحظها؛ عندها فقط تنهار الحالة الكمومية إلى إحدى الحالتين اليقينيتين. يدل هذا المبدأ على أن عملية الملاحظة أو القياس هي التي تحدد أي احتمال من الاحتمالات العديدة سيصبح واقعاً.
في سياق الإدارة، يُشجّعنا مفهوم التراكب على إبقاء عدة خيارات أو سيناريوهات مفتوحة أثناء عملية اتخاذ القرار، بدلاً من التسرع في تبنّي خيار واحد مبكراً، ما قد يغلق مسارات إبداعية واعدة. فوفقاً لمنطق الكم، قد يتجنب القائد إصدار حكم سريع بشأن مشكلة معقدة، ويسمح بدلاً من ذلك ببقاء مجموعة من الحلول أو الاستراتيجيات المحتملة قيد التطوير بالتوازي. هذه المقاربة تعزز الابتكار؛ لأن عدم قياس الموقف بشكل مبكر يبقي جميع الحلول ممكنة لفترة أطول.
التشابك الكمي وتعزيز ترابط فرق العمل:
يصف التشابك الكمي ظاهرة عجيبة ترتبط فيها جسيمات متعددة معاً بحيث تصبح حالة أحدها مؤثرة فوراً في حالة الآخر مهما تباعدت المسافة بينهما. أطلق آينشتاين على ذلك وصف «فعل شبحي عن بعد» للتعبير عن غرابته، إذ تتصرف الجسيمات المتشابكة كوحدة واحدة متناغمة، حتى لو فصلت بينها سنوات ضوئية. في عالم الإدارة، يُعَد هذا التشابك نظيراً للعلاقات المترابطة بعمق بين الأفراد وفرق العمل والأقسام المختلفة داخل المنظمة، وحتى بين الشركة وأطرافها الخارجية. فكثيراً ما نشهد أن تغييراً أو قراراً في جزء من المؤسسة قد يؤثر آنياً في أجزاء أخرى منها، كما لو كانت هذه الأجزاء متشابكة بشكل غير مرئي.
من منظور القيادة، يلهمنا مبدأ التشابك لبناء ثقافة مؤسسية قائمة على الترابط والتعاون بدل العقلية الانعزالية. فالقائد الكمومي يدرك أن فرق العمل وأصحاب المصلحة مترابطون بطرق تتجاوز الهياكل التنظيمية الرسمية، فيسعى إلى الاستفادة من هذه الاتصالات الخفية لدعم التعاون والابتكار عبر الأقسام المختلفة. يعني ذلك تشجيع قيم ومشاعر مشتركة تتزامن عبر المنظمة، فإذا تحسّنت حالة فريق ما وارتفع أداؤه أو معنوياته، ينعكس ذلك إيجاباً على الفرق الأخرى، تماماً كما تؤثر حالة جسيم متشابك في الآخر.
} ثنائية الموجة والجسيم بين الرؤية الشمولية ودقة التنفيذ:
من أغرب مبادئ الكم وأكثرها رمزية ثنائية الموجة والجسيم، حيث تظهر الجسيمات دون الذرية مثل الإلكترون أو الفوتون خصائص مزدوجة؛ فهي تتصرف أحياناً كجسيمات منفردة ذات موقع محدد، وفي أحيان أخرى كموجات منتشرة في الفضاء، وذلك وفقاً لطريقة رصدنا لها. أبرز برهان تجريبي على هذه الظاهرة هو تجربة الشق المزدوج، حيث وُجد أنه عند إطلاق الإلكترونات عبر شقين نحو شاشة، فإنها تكوّن سلوكاً يشبه الموجات طالما لم نلاحظ مسار كل إلكترون على حدة. أما عند مراقبة أي شق يعبر منه الإلكترون، فيختفي نمط التداخل وتظهر الإلكترونات كجسيمات تتجمع خلف كل شق منفصل في تبدّل غريب يؤكد اعتماد طبيعة الإلكترون على كيفية قياسنا له. هذه الازدواجية في السلوك تعني أن الحقيقة نفسها يمكن أن تُرى بصورتين متناقضتين ظاهرياً حسب الزاوية أو الأسلوب الذي ننظر به إليها.
في عالم الإدارة، تمنحنا ثنائية الموجة والجسيم دلالة مجازية على ضرورة تمتع القائد بمرونة في الأسلوب ونهج متعدد الأوجه. فلا يوجد أسلوب قيادي واحد صحيح يصلح لكل المواقف؛ بل القادة الأكثر نجاحاً هم الذين يتقنون الموازنة بين النهجين المتناقضين ظاهرياً ويتنقلون بينهما حسب الحاجة. أحياناً يجب على المدير أن يتصرف كـجسيم، أي بحزم وتركيز شديد واتجاه مباشر نحو الهدف خصوصاً في الأزمات أو المواقف التي تتطلب قرارات سريعة وحاسمة.
وفي أحيان أخرى، يكون من الأفضل له أن يتصرف كموجة أي بأسلوب مرن منتشر يستوعب مختلف الآراء ويمنح مساحة أكبر للتكيف والإبداع، وذلك في مواقف مثل الابتكار أو قيادة التغيير حيث تنفع المقاربة المنفتحة غير المحدودة. القائد الكمومي البارع يعرف متى يكون جزيئياً ومتى يكون موجياً، متى يحتاج إلى التركيز والدقة لفرض النظام والتقدم المباشر (نهج الجسيم)، ومتى عليه توسيع العدسة واحتضان التنوع واللايقين لإطلاق العنان لإمكانات فريقه (نهج الموجة).
لقد ولّى زمن الإدارة القائمة على الخطية المطلقة واليقين التام؛ فالقادة الأكثر تأثيراً اليوم وفي المستقبل هم أولئك الذين يدركون أن كل العناصر في المنظمة مترابطة، وأن حضورهم وتفاعلهم يشكّلان النتائج، وأن الفرص الكبرى تولد في قلب المجهول وعدم الوضوح. إن تبنّي نموذج الإدارة الكمومية يشجع على التفكير الإداري غير التقليدي، فهو تفكير يجمع بين العلم والإنسانية في آن واحد.

14 أكتوبر 2025
كيف نبني مؤسسات تتعلم ولا تُعاقب؟

د. راسل قاسم

عندما تشتعل أزمة داخل مؤسسة، تبدأ الأصابع في الإشارة، والأنظار تبحث عن «المذنب». في لحظة واحدة، يتحول الخطأ من فرصة للتعلّم إلى جلسة اتهام. يُضحّى بأحدهم ليهدأ الغضب وتستمر العجلة كما كانت. غير أن هذا الطقس المتكرر، الذي يبدو علاجاً سريعاً، هو في الواقع مرض إداري عميق يدمّر روح التعلم ويزرع الخوف في النفوس.

مفهوم كبش الفداء ليس وليد الإدارة الحديثة، بل يمتد إلى الطقوس الدينية القديمة، حين كان يُحمَّل الحيوان بخطايا الجماعة ثم يُنفى أو يُذبح للتكفير عنها. مع الوقت، تسلّل هذا النمط إلى المجتمعات والسياسات والمنظمات. فهو نموذج بشري عابر للتخصصات، من التاريخ إلى علم النفس والإدارة، يُترجم حاجة الإنسان إلى تحويل اللوم من النظام إلى الشخص.

في السياق المؤسسي، تتحول هذه الحاجة إلى آلية دفاع جماعي. بدل أن تواجه القيادة الأسباب الجذرية للخطأ، تبحث عن ضحية رمزية. تُقدَّم القرارات الخاطئة على أنها أخطاء أفراد، وتُغفل العوامل البنيوية التي أنتجتها: ضعف الإجراءات، غموض الصلاحيات، أو ثقافة صمت تمنع الإبلاغ عن المشكلات مبكراً. والنتيجة بيئة يسودها الخوف، يتجنب فيها الموظفون التجربة، وتختفي الشفافية ويُقتل الابتكار في مهده.

المنظمات الناضجة تدرك أن الخطأ ليس إخفاقاً فردياً، بل مرآة تكشف خللاً في النظام أو نقصاً في الموارد أو المعرفة. القائد الواعي لا يسأل: «من نلوم؟» بل يسأل: «ماذا نتعلم؟». فكل خطأ يُعالج بإنصاف وموضوعية، يضيف للمؤسسة خبرة ويزيد مناعتها أمام التحديات المستقبلية.

العدالة التنظيمية كبديل عن اللوم المؤسسي

هنا يأتي دور Just Culture أو الثقافة العادلة، التي نشأت في صناعات عالية الحساسية كقطاع الطيران والرعاية الصحية. جوهرها هو التوازن بين المساءلة الفردية والمساءلة التنظيمية. فهي ليست ثقافة «اللامساءلة»، كما يظن البعض، لكنها إطار يُفرّق بين ثلاثة أنواع من السلوك:

الخطأ البشري غير المقصود الناتج عن الإرهاق أو سوء الفهم.

السلوك المخاطر أو المتهور الذي يحتاج إلى تصحيح وتدريب.

السلوك المتعمد أو الإهمال الجسيم الذي يستوجب المحاسبة.

تدعو هذه الفلسفة التي طورها باحثون مثل ديفيد ماركس وسيندي ديكير، إلى تحويل الخطأ إلى مصدر معرفة لا إلى ساحة عقاب. فبدلاً من كتم البلاغات أو إخفاء الحوادث خوفاً من التوبيخ، يُشجَّع الموظفون على الإبلاغ عنها لتطوير الأنظمة. تشير العديد من الدراسات إلى أن المؤسسات التي تتبنى ثقافة عادلة تشهد ارتفاعاً في مستويات الثقة والشفافية وتحسناً ملحوظاً في الأداء والسلامة التشغيلية.

من ثقافة الخوف إلى بيئة التعلم

الفرق بين المؤسستين واضح: في الأولى، تُزرع الخشية من الوقوع في الخطأ، فيتوقف الجميع عن التجريب. في الثانية، يُنظر إلى الخطأ كوقود للتطوير. حين يشعر الأفراد بالأمان النفسي، يصبحون أكثر جرأة في اقتراح الحلول والإفصاح عن المخاطر. وبدلاً من أن يُستنزف الوقت في الدفاع واللوم، يُستثمر في التحسين والتعلّم.

القادة الذين يفهمون هذه المعادلة لا يحمون سمعة مؤسساتهم عبر التضحية بأفرادها، بل عبر بناء أنظمة أكثر عدلاً وشفافية. فالمساءلة الحقيقية لا تعني العقوبة، بل فهم الأسباب وبناء الوقاية.

نحو نضج مؤسسي مستدام

التحول من ثقافة كبش الفداء إلى ثقافة العدالة ليس تجميلاً في أسلوب القيادة، بل انتقالاً جوهرياً في فلسفة الإدارة. هو إعلان بأن المؤسسة لم تعد تخاف من الحقيقة، بل تبحث عنها. فالتعلّم المؤسسي لا يولد من الكمال، بل من الشجاعة في الاعتراف بالأخطاء وتحويلها إلى طاقة إصلاح.

المؤسسات التي تتوقف عن معاقبة الخطأ وتبدأ في فهمه، لا تنجو فقط من أزماتها، بل تبني بيئة تخطئ فيها بذكاء وتتعلم بسرعة. فبين مؤسسة تُخفي إخفاقها خلف الأفراد، وأخرى تُواجهه بعقل منفتح وروح عادلة، يُرسم الخط الفاصل بين إدارة تُكرر أخطاءها، وإدارة تصنع مستقبلها.

28 أغسطس 2025
الوجودية في الإدارة ..فلسفة حياة

منذ ظهور الوجودية في الفكر الفلسفي خلال القرن التاسع عشر، وهي تثير نقاشاً واسعاً حول معنى الحرية والاختيار والمسؤولية. فالوجودية تقول إن الوجود يسبق الماهية؛ أي أن الإنسان يوجد أولاً، ثم يحدد بنفسه معناه وغاياته من خلال اختياراته وأفعاله، بدلاً من أن تكون محددة سلفاً بقوانين أو طبيعة ثابتة.
المثير أن هذه الفلسفة لم تبق حبيسة الكتب والجدل الأكاديمي، بل امتدت لتلامس مجالات متعددة من الأدب والفن والسياسة وحتى الإدارة. فمؤسسات اليوم لا تلبّيها النماذج التقليدية التي تنظر إلى الموظف باعتباره ترساً في آلة أو مجرد منفّذ للتعليمات. هنا تبرز الوجودية كمنهج مختلف، يضع الإنسان في قلب العملية، ويرى أن القيم ليست مبادئ شخصية فقط، بل أسس إدارية قادرة على تحويل طبيعة العمل والمؤسسات.
الإدارة في جوهرها فنّ التعامل مع البشر، والبشر بطبيعتهم يبحثون عن المعنى، ويتأرجحون بين القلق واليقين، ويحتاجون إلى مساحة للاختيار والتجريب. من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الوجودية ليس كفلسفة نظرية مجردة، بل كأداة عملية لإعادة تعريف القيادة وبناء بيئات عمل أكثر إنسانية. فهي تدعو المديرين إلى أن يكونوا أكثر أصالة، وأن يمنحوا موظفيهم الحرية مع ربطها بالمسؤولية، وأن يقبلوا بوجود اللايقين كجزء من واقع الأعمال، وأن يساعدوا فرقهم على إيجاد معنى يتجاوز الرواتب والمهام اليومية.
بعبارة أخرى، تمثّل الوجودية مرجعاً مهماً للقادة الذين يسعون إلى بناء مؤسسات مرنة وفاعلة، قادرة على مواجهة تحديات العصر، لا بالاعتماد على القوالب الجاهزة، بل عبر تمكين الإنسان ومنحه القدرة على صناعة مستقبله ومستقبل مؤسسته. وربما وجب عليّ هنا أن أسأل بلسانك عزيزي القارئ: كيف يكون ذلك؟، وبعد أن سألت، سأخلع قبعة السائل وألبس قبعة المجيب.
ترى الوجودية أن الإنسان حر في اختياراته، لكنه مسؤول عن تبعاتها. في بيئة العمل، يترجم هذا المبدأ إلى ثقافة تمنح الموظفين حرية اتخاذ القرار وتحمّل المسؤولية في الوقت نفسه. فبدلاً من الإدارة التقليدية القائمة على الأوامر والرقابة، يصبح المدير قائداً يثق بفريقه، ويوفر له الإطار والقيم العامة، ثم يترك له مساحة للابتكار والتجريب. النتيجة المتوقعة من ذلك هي ارتفاع مستوى الدافعية وروح المبادرة، وانخفاض الميل إلى التنصل من المسؤولية أو تعليق الأخطاء على الآخرين.
الأصالة مفهوم محوري في الفكر الوجودي. الإنسان الأصيل هو من يعيش وفق قيمه الخاصة لا وفق ما يفرضه الآخرون. في الإدارة، يظهر هذا في القائد الذي يحدد بوضوح قيمه ومبادئه، ويتصرف وفقها باستمرار، بعيداً عن المجاملة أو الأقنعة التنظيمية. هذا النمط القيادي يولّد الثقة داخل المؤسسة، ويعزز التزام الموظفين، إذ يرون في قائدهم نموذجاً صادقاً يعكس ما يقول بالفعل.
الوجودية تعترف بأن الحرية المطلقة تولّد شعوراً بالقلق، لكن هذا القلق جزء من التجربة الإنسانية. في عالم الأعمال، تتجسد هذه الفكرة في مواجهة التحديات الاستراتيجية والتحولات الرقمية والظروف الاقتصادية المتغيرة. القادة الوجوديون لا يهربون من هذا القلق ولا يبحثون عن يقين زائف، بل يتقبلونه كجزء من عملية اتخاذ القرار، ويتعاملون مع اللايقين بشجاعة ومرونة.
الإنسان، من منظور الوجودية، يصنع معنى حياته بنفسه. في الإدارة، تقع على القادة مسؤولية صناعة معنى العمل للآخرين، عبر ربط المهام اليومية بالقيم والرؤية الكبرى للمؤسسة. الموظف الذي يجد معنى في عمله يكون أكثر التزاماً وأعلى إنتاجية، بينما يؤدي غياب المعنى إلى فتور وانسحاب داخلي وربما إلى ارتفاع نسب الاستقالات، أو ما نربطه إدارياً بارتفاع الدوران الوظيفي.
ترفض الوجودية الحياد السلبي، وتؤكد أن على الإنسان أن يلتزم بالفعل ويحدد موقفه. في الإدارة، هذا يعني أن القائد لا يكتفي بالشعارات أو البيانات العامة، بل يترجم القيم إلى قرارات عملية، ويتحمل مسؤولية المواقف حتى في الظروف الصعبة أو أمام القرارات غير الشعبية. هذا الالتزام العملي يجعل القيادة أكثر مصداقية وفاعلية.
تقدم الوجودية للإدارة إطاراً عملياً يعيد الاعتبار للإنسان في قلب المؤسسة. فهي تدعو إلى حرية مسؤولة، وقيادة أصيلة، وتقبل اللايقين، وصناعة المعنى، والالتزام بالفعل. تبدو لي هذه المبادئ أكثر واقعية اليوم من أي وقت مضى، لأنها تساعد المؤسسات على بناء بيئات عمل إنسانية ومرنة، وتمنح القادة أدوات فكرية وأخلاقية لإحداث أثر حقيقي في فرقهم ومجتمعاتهم.
من نافلة القول: نحن بحاجة اليوم إلى المزيد من القادة الوجوديين، والمديرين القادرين على تبنّي النهج الوجودي في الإدارة.
[email protected]