بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأ مفهوم التحالفات، خاصة في جانبها الاقتصادي، ينمو في العالم، وانضمت الدول لها، ومعها استمرت كثير من المنظمات تعمل وفق هذه الآلية، تحكمها أطر واتفاقيات وتشريعات اتفقت الدول الأعضاء عليها.
وبعد مرور أكثر من ثمانية عقود، ومع دخول البشرية في حقبة جديدة من تقنيات الاتصالات وعصر الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن تغير اهتمامات الدول وسياساتها، بل تباين الدول في قدراتها ومستوياتها التنموية وقوتها الاقتصادية، تبين أن تلك التكتلات باتت حجر عثرة أو عائقاً عن النمو والتطور، خاصة إذا كانت منظمات تقليدية ولم تطوّر آليات عملها ولا أنظمتها ولا تشريعاتها. من هنا بدأ يظهر مفهوم جديد يتعلق بالاستقلال الاستراتيجي، وهو مفهوم يبين القدرة على اتخاذ القرارات الاقتصادية وفق ما يحقق المصلحة الوطنية، بعيداً عن الرضوخ لضغوط أو متطلبات واشتراطات التكتلات الكبرى.
نستطيع أن نقول إننا في عصر التحالفات المتغيرة أو المرنة، وهي تحالفات أو تنسيق يقوم على المصالح والمنافع الوطنية وعلى القوة الاقتصادية، وعلى المهارة وقوة الاتصال ونحوها من العوامل. أعتقد أننا نتوجه نحو عالم لا تحكمه الكتلة الواحدة أو المنظمة الواحدة، بل نمو التوازنات والمصالح الوطنية، خاصة أن هناك تبايناً واسعاً وهوة كبيرة بين الدول في أرقام النمو والاستثمارات والقوة الاقتصادية، ومعها يصعب بقاء دولة تتمتع بنمو كبير وتنوع وتعدد في استثماراتها في تكتل معظم أعضائه يعانون أزمات اقتصادية وتدهوراً في التنمية وضعفاً في مخرجات الاقتصاد وتدهوراً في استثماراتها، لا يمكن أن تكون هذه المنظمة أو تلك الكتلة مفيدة، أو تحقق الهدف من الانضمام إليها.
ومن هنا، من غير المستبعد أن نرى المزيد من الانسحابات من بعض المنظمات سواء الإقليمية أو القارية أو نحوها. ومثل هذه الحالة ليست إلا مشهداً لإعادة التموضع في الاقتصاد العالمي، ولزيادة الفعالية والإنتاج والحضور الدولي، وتحقيق المزيد من المكاسب، خاصة أن الأسواق العالمية تحتاج للمرونة وسرعة الاستجابة والجودة في الخدمة، وهي جوانب بات من المعروف أن دولاً قليلة هي القادرة على تحقيقها منفردة.
هناك دول استوعبت هذا التغير مبكراً وبدأت العمل به، وهناك دول ستحتاج إلى بعض الوقت لتدرك بديهية هذه الخطوة وأهميتها. ودوماً الأكثر ربحاً وفوزاً هم المبادرون الأوائل.
