أمريكا لا تزال القوة الأكبر مالياً وتكنولوجياً
التوتر يعني اضطراب الأسواق والطاقة والتجارة العالمية
مستقبل النظام الدولي لن تحدده الهيمنة
شعر العالم بقدر أكبر من الطمأنينة بعد الزيارة الأخيرة التي أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، في لحظة دولية شديدة الحساسية تتزايد فيها الحروب، وتتراجع فاعلية المؤسسات الدولية، بينما يعاد تشكيل النظام العالمي الجديد.
قد تبدو الزيارة في ظاهرها حدثاً دبلوماسياً اعتيادياً بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، لكنها تحمل في جوهرها دلالات أعمق بكثير. فالعلاقة بين واشنطن وبكين تجاوزت مسألة التجارة أو الرسوم الجمركية أو النفوذ الإقليمي، وأصبحت عاملاً حاسماً في استقرار الاقتصاد العالمي ومستقبل النظام الدولي بأسره. لذلك، تبدو أي محاولة لإعادة فتح قنوات الحوار بين الجانبين بمثابة ضرورة استراتيجية لا ترفاً سياسياً.
منطق المواجهة يهدد الاقتصاد العالمي
خلال السنوات الماضية، تصاعدت في الغرب، وخصوصاً داخل الولايات المتحدة، مقاربة تعتبر صعود الصين تهديداً ينبغي احتواؤه، لا تحولاً تاريخياً يتطلب إدارة عقلانية. هذه الرؤية دفعت العالم تدريجياً نحو أجواء تشبه الحرب الباردة، عبر الحروب التجارية، والقيود التكنولوجية، والصراع على أشباه الموصلات، والتوترات العسكرية في بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان.
لكن التجارب التاريخية تُظهر أن فشل القوى الكبرى في إدارة تنافسها يقود العالم بأسره إلى دفع الثمن. فحين تتصادم الاقتصادات العملاقة، لا تقتصر التداعيات على حدودها الوطنية، بل تمتد إلى سلاسل التوريد العالمية، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة، وأسعار الغذاء، وحتى استقرار العملات والأسواق المالية.
واليوم، تبدو العلاقة بين الولايات المتحدة والصين أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالبلدان متداخلان اقتصادياً بشكل عميق، ويمثلان محوراً رئيسياً في التجارة العالمية، والتكنولوجيا، والصناعة، والتمويل، والسياسات المناخية. بالتالي، فإن أي صراع طويل الأمد بينهما لن يُنتج «منتصراً» واضحاً ولا «منهزماً» واضحاً، بل سيقود إلى عالم أكثر انقساماً واضطراباً.
العالم النامي يرفض الاصطفاف
في خضم هذا التنافس، تبرز دول الجنوب العالمي بوصفها الطرف الأكثر حرصاً على تجنب الانقسام الدولي. فالكثير من الدول الناشئة، من البرازيل إلى دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ترفض العودة إلى منطق المحاور الصلبة الذي طبع القرن العشرين.
البرازيل، على سبيل المثال، ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الطرفين. فالصين تُعد أكبر شريك تجاري لها، ومصدراً رئيسياً للاستثمارات في البنية التحتية والطاقة والصناعة، بينما لا تزال الولايات المتحدة قوة مالية وتكنولوجية مركزية ذات تأثير واسع في نصف الكرة الغربي.
ومن هذا المنطلق، لا ترى الدول الناشئة مصلحة في عالم يُجبرها على اختيار أحد المعسكرين، بل تسعى إلى نظام متعدد الأقطاب يسمح لها بالحفاظ على استقلالية القرار الوطني والتعاون مع مختلف مراكز القوة العالمية وفقاً لمصالحها الخاصة.
الذكاء الاصطناعي والطاقة
أهمية التقارب الصيني الأمريكي لا تتعلق فقط بتجنب الصدام العسكري أو حماية الاقتصاد العالمي، بل ترتبط أيضاً بطبيعة المرحلة التاريخية التي يدخلها العالم حالياً.
فالاقتصاد الدولي يقف على أعتاب تحولات عميقة تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتحول في قطاع الطاقة، والبنية التحتية الرقمية، وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية. وفي الوقت ذاته، تواجه البشرية تحديات مشتركة تتراوح بين تغير المناخ، وأزمات الأمن الغذائي، واتساع فجوات عدم المساواة.
مثل هذه الملفات لا يمكن التعامل معها عبر منطق الصراع الدائم بين القوى الكبرى. بل تتطلب مستوى عالياً من التنسيق والتفاهم، خصوصاً بين أكبر اقتصادين في العالم.
وفي هذا السياق، تبدو فكرة «التعايش التنافسي» أكثر واقعية من محاولات الهيمنة المطلقة أو سياسات الاحتواء. فصعود الصين أصبح حقيقة استراتيجية يصعب عكسها عبر الرسوم الجمركية أو القيود التجارية، في حين لا تزال الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً هائلاً في مجالات التكنولوجيا والتمويل والقوة العسكرية.
لحظة تعيد رسم المشهد العالمي
وسط الحروب والانقسامات التي يمر بها العالم، تبدو أي خطوة نحو تهدئة التوتر بين واشنطن وبكين بمثابة إشارة إيجابية للأسواق والدول والمستثمرين على حد سواء.
فالاستقرار في العلاقة بين القوتين يمكن أن يخلق بيئة أكثر ملاءمة للنمو العالمي، ويخفف من مخاطر الاضطراب في التجارة وسلاسل الإمداد، كما يقلل احتمالات التصعيد العسكري في المناطق الحساسة، وعلى رأسها مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي.
وربما تكمن أهمية هذه اللحظة في أنها تعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الكبرى بأنه لم يعد بالإمكان تحمل صراعات مفتوحة بينهم، خصوصاً في ظل اقتصاد عالمي مترابط إلى درجة غير مسبوقة.
وفي النهاية، قد لا يكون المطلوب أن تتحول واشنطن وبكين إلى حليفين، بقدر ما يصبح ضرورياً أن تتعلما إدارة تنافسهما ضمن قواعد تمنع العالم من الانزلاق نحو الفوضى. فالعالم لا يحتاج إلى هيمنة أحادية جديدة، ولا إلى حرب باردة بنسخة أكثر تعقيداً، بل إلى توازن يسمح للقوى الكبرى بالتعايش والتنافس من دون جر البشرية إلى مواجهة يدفع الجميع ثمنها.