الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الإمارات.. عاصمة الحوكمة العالمية

19 مايو 2026 00:17 صباحًا | آخر تحديث: 19 مايو 00:17 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتشابك فيه التحديات الاقتصادية والتقنية والجيوسياسية بصورة غير مسبوقة، لم يعد التميز الحكومي ترفاً تنافسياً، بل ضرورة استراتيجية تحدد قدرة الدول على البقاء في صدارة المشهد العالمي. وفي خضم هذا الواقع، تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة تقديم نموذج حوكمة استثنائي، يقوم على الاستباقية والمرونة والجاهزية، وهو ما تجلى مجدداً بتصنيفها ضمن أكثر عشر حكومات كفاءة وفاعلية على مستوى العالم في مؤشر «تشاندلر للحكومات الرشيدة 2026».
هذا الإنجاز، الذي جاء ضمن تقييم شامل ل133 دولة، ليس مجرد رقم يُضاف إلى سجل المؤشرات الدولية، بل ترجمة عملية لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، ومتابعة أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة. رؤية أعادت تعريف العمل الحكومي وفق منطق مختلف، يتعامل مع الحكومة بوصفها أداة استراتيجية لصناعة المستقبل واستباق المتغيرات، ويترجم الطموحات الوطنية إلى إنجازات ملموسة تلامس الإنسان مباشرة.
ولفهم عمق ما تحقق، يحسن التوقف عند المعايير التي يقوم عليها المؤشر. فهو يستند إلى سبعة محاور رئيسية تضم 35 مؤشراً فرعياً، تشمل القيادة والاستشراف، وقوة المؤسسات والسياسات، وكفاءة إدارة الموارد، وجاذبية الأسواق، والتأثير العالمي، والسمعة الوطنية، والدبلوماسية الدولية. وهي معايير لا يمكن التفوق فيها بإجراءات شكلية، بل تتطلب منظومة عمل متكاملة تجمع بين وضوح الرؤية وكفاءة التنفيذ، وبين التخطيط بعيد المدى والاستجابة السريعة للمستجدات.
اللافت في الأداء الإماراتي أنه لم يحقق تقدماً عاماً فحسب، بل تصدر العالم في مؤشرات حيوية، أبرزها: الابتكار الحكومي، والقدرة على تحديد الأولويات الاستراتيجية، والمرونة في تطبيق الخطط، وفائض ميزانية الدولة. هذه المراتب الأولى عالمياً تكشف عن نمط حوكمة فريد، يقرأ المستقبل قبل وقوعه، ويخطط بعقلية مرنة لا تتجمد عند خطة واحدة، بل تتكيف مع المستجدات من دون أن تفقد بوصلتها، ويوظف الموارد بكفاءة تضمن استدامة الإنجاز.
ولا يقل أهمية حصول الدولة على المرتبة الثانية عالمياً في الرضا عن الخدمات الحكومية، والقدرة على التكيف، والتوظيف. فهذه المؤشرات انعكاس مباشر لأثر السياسات في حياة الإنسان، وهو الجوهر الذي تنطلق منه الرؤية الإماراتية.
فالحكومة الناجحة ليست تلك التي تحقق أرقاماً في التقارير، بل التي ينعكس أداؤها على جودة حياة المواطن والمقيم، وعلى ثقة المستثمر، وعلى قدرة الدولة على استقطاب الكفاءات والمواهب العالمية وتوفير بيئة محفزة للإبداع والإنتاج.
كما أن المرتبة الثالثة عالمياً في الرؤية طويلة المدى وكفاءة التنسيق المؤسسي تؤكد أن العمل الحكومي لم يعد قائماً على جهود منفصلة، بل ضمن منظومة متكاملة تعمل بانسجام نحو أهداف مشتركة. وهذا التكامل المؤسسي هو ما يفسر سرعة الإنجاز وقدرة الدولة على تحويل الرؤى الكبرى، مثل «نحن الإمارات 2031»، إلى مخرجات ملموسة، وإلى مشاريع تحولية تعيد تشكيل القطاعات الحيوية وتفتح آفاقاً جديدة للنمو.
ما يميز هذا الإنجاز أنه يأتي في مرحلة عالمية بالغة التعقيد، حيث تتراجع كفاءة كثير من الحكومات أمام أزمات متتالية. وفي هذا السياق، يصبح بقاء الإمارات في الصدارة دليلاً على أن نموذجها ليس وليد ظروف استثنائية، بل ثمرة بناء مؤسسي متراكم، تقوده قيادة استثنائية تؤمن بأن المستقبل يُصنع بالعمل لا بالانتظار، وأن الفرص تُهندَس بقرارات جريئة ورؤية واضحة، وبثقافة عمل لا تعرف المستحيل.
ويعكس هذا الأداء قناعة راسخة بأن التميز الحكومي ليس حدثاً عابراً، بل ممارسة يومية تترجمها فرق العمل الوطنية في كل قطاع. فالنتائج التي تحققها الإمارات اليوم لم تكن لتظهر لولا ثقافة مؤسسية تجعل من الجودة معياراً ثابتاً، ومن الابتكار خياراً يومياً، ومن الإنسان غاية ووسيلة. وهذه الثقافة هي التي تصنع الفرق بين حكومة تنجز مهامها، وحكومة تصنع نموذجاً يُدرَّس عالمياً.
كما يعكس هذا الأداء حقيقة مهمة: أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان. فالمراتب المتقدمة في التوظيف والخدمات الحكومية ليست نتيجة للسياسات وحدها، بل لاستثمار طويل المدى في الكفاءات الوطنية، وفي ثقافة عمل تجعل من خدمة الناس غاية لا مجرد وظيفة، ومن رضا المتعامل مقياساً حقيقياً لنجاح أي مبادرة.
في المحصلة، يحمل تصدّر الإمارات مؤشر تشاندلر رسالة أعمق من مجرد تصنيف دولي. فهو إعلان بأن نموذج الحوكمة الإماراتي قابل للقياس والمقارنة عالمياً، وأنه يقدم نفسه مرجعاً يُحتذى في بناء حكومات المستقبل. وهو في الوقت ذاته التزام بمواصلة الطريق، لأن الريادة في الحوكمة ليست محطة وصول، بل مسار متجدد، تؤكد فيه الإمارات يوماً بعد يوم أن صناعة المستقبل خيار وطني راسخ، وأن الطموح الإماراتي لا سقف له ما دامت القيادة تُلهم والإنسان يُبدع.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة