لم تكن للقمة الصينية الروسية في بكين نتائج مفاجئة، لأنها لا تخرج عن المسار الذي رسخه زعيما البلدين شي جين بينغ وفلاديمير بوتين في قممهم السابقة خلال العقد الماضي، لكن المفاجئ والمثير للانتباه أن هذه القمة، التي جرى ترتيبها على عجل، جاءت بعد الزيارة التاريخية التي قام بها إلى الصين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
بعد انقضاء نحو أسبوع على عودة ترامب إلى واشنطن وانغماسه في ممارسة لعبته المفضلة في إشعال التوتر العالمي بمزيج من الخطاب الرقمي التصعيدي والسياسات الاقتصادية الصادمة، لم تتضح بعد مخرجات قمته مع شي على الصعيد الاستراتيجي البعيد، رغم الإعلان عن تفاهمات اقتصادية أولية وتعهدات باستمرار التواصل بين المسؤولين في البلدين. وهذه النتيجة تعتبر موضوعية في العلاقة بين القوى العظمى، والأجوبة حول الأسئلة المطروحة بشأنها قد لا ترد مكتوبة أو لا تعلنها خطابات دبلوماسية، بل كثيراً ما تجري ترجمتها إلى سياسات عملية تخص القضايا الخلافية والأزمات الدولية التي تمثل حقول اختبار حقيقية لمدى جدية الطرفين في الالتزام بالاستقرار الاستراتيجي أو إعادة هندسة خريطة النفوذ والمصالح على امتداد العالم.
زيارة الرئيس الروسي إلى الصين ليست تعقباً لآثار نظيره الأمريكي فحسب، وإنما تأكيدٌ عملي على عمق «الشراكة الاستراتيجية اللامحدودة» بين موسكو وبكين، ومحاولة لإعادة ضبط موازين القوى الدولية تمهيداً لصياغة النظام العالمي الجديد، الذي يبدو أن القوى العظمى الثلاث، الولايات المتحدة والصين وروسيا، باتت تعمل عليه بمناهج ومقاربات مختلفة تتأرجح بين الصدمات الاقتصادية، والدبلوماسية المرنة، والعمليات العسكرية الخاصة وصناعة التوتر الجيوسياسي، كما هو الحال في ملفات أوكرانيا وإيران وتايوان، وهي أزماتٌ يتصل كل منها بركيزة من ركائز القوة الدولية، وتتشابك خيوطها لترسم مجتمعةً حدود العلاقة بين واشنطن وموسكو وبكين، وتمهد لاحقاً لتضع لبنات النظام الدولي المتشكل.
انطلاقاً من هذا التشابك، يبدو أن القوى الثلاث باتت تدرك أن السيطرة على مخرجات أزمة الشرق الأوسط وحسم صيغة للسلام في أوكرانيا وتسوية ما بشأن تايوان، ستكون المحدد الحقيقي لحجم نفوذ كل منها على طاولة القيادة الدولية في العقود المقبلة ضمن نظام عالمي لا يحتاج بناؤه إلى تحالفات عقائدية جامدة، بل إلى إدارة ذكية، وأحياناً خبيثة، للمصالح المتعارضة التي تتطلب نسج تفاهمات مرنة ومقايضات استراتيجية عابرة للملفات. وبناء على هذا التصور يمكن فهم أن الديناميكية البراغماتية الصارمة التي تتحكم بسياسات القوى العظمى قد جعلت من الساحات الإقليمية المشتعلة، في أوروبا والشرق الأوسط وشرقي آسيا، مجرد أوراق تفاوضية على رقعة الشطرنج الكبرى التي تختزل لعبة متفردة أصبحت فيها الصراعات الإقليمية مجرد أدوات متبادلة تقايض فيها التهديدات بالأرباح، وتقاس الانتصارات بحجم التنازلات المنتزعة وليس بالحسم التقليدي للمعارك.
هذا المشهد الجيوسياسي المعقد يعكس واقعاً دولياً جديداً، تهيمن فيه ثلاث قوى عظمى على مفاصل الأزمات والملفات الكبرى، بينما لم يعد أمام الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى سوى التكيف مع معادلة صفرية تنعدم فيها الوعود الدائمة والتعهدات الثابتة، ليصبح معيار البقاء مرهوناً بالقدرة على المناورة وتفادي ارتدادات تقلبات المصالح الكبرى، والمعارك التي تدار عن بعد، وحولت الصراعات الإقليمية ومصائر دول وشعوب إلى مجرد نقاط تفاوضية على طاولة الكبار.
