تدخل سياسة إندونيسيا الشاملة بشأن تصنيع النيكل، التي أُطلقت عام 2020، مرحلة أكثر أهمية. فبعد نجاحها في وقف صادرات خام النيكل، تستعد الحكومة الآن لاستخدام أداة أكثر حزماً، تتمثل في فرض رسوم تصدير إضافية على منتجات النيكل المصنعة.
وأوضح وزير الطاقة والموارد المعدنية، بهليل لاهاداليا، الذي يشرف أيضاً على الاستثمار، أن هذه الخطوة لا تتعلق بزيادة إيرادات الدولة فقط، بل تتعلق أيضاً بالتغلب على حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي المتزايد، والتشبع المتزايد في سوق المعادن الأساسية.
يمثل هذا الاقتراح استجابة مباشرة للإفراط في إنتاج منتجات النيكل منخفضة الجودة - مثل النيكل الخام ونيكل الحديد - والتي غمرت الأسواق العالمية من قطاع الصهر المتوسع بسرعة، في إندونيسيا.
أدى هذا الفائض إلى انخفاض أسعار النيكل العالمية، ما أسفر عن تآكل العائدات والإيرادات الحكومية. ومن منظور اقتصادات التعدين، تمثل هذه السياسة تصحيحاً واسع النطاق للسوق يهدف إلى حماية قيمة الموارد الاستراتيجية لإندونيسيا من التقليل من شأنها دولياً.
وسوف تستهدف الضريبة مشتقات النيكل المنتجة من خلال عمليات التعدين الحراري، خاصة النيكل الخام وحديد النيكل، والتي يظل محتواها من النيكل منخفضاً نسبياً إلى متوسط المدى.
ويبدو أن الهيكل الضريبي المقترح تصاعدي، ويرتبط ارتباطاً مباشراً بتحركات الأسعار في بورصة لندن للمعادن. وبموجب هذا الإطار، سيرتفع العبء الضريبي بالتوازي مع ارتفاع الأسعار العالمية، ما يُمكّن الدولة من جني أرباح طائلة خلال فترات ازدهار أسعار السلع.
ومن المتوقع أن يبدأ المعدل الأساسي عند نحو 2% عندما تتراوح أسعار النيكل بين 15 ألف دولار، و16 ألف دولار للطن، ويرتفع بشكل متناسب مع ارتفاع الأسعار.
إن الحاجة الملحّة وراء فرض هذه الرسوم على الصادرات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالضغوط المالية المتزايدة على ميزانية الدولة الإندونيسية. فمع انخفاض قيمة العملة المحلية إلى نحو 16,991 روبية للدولار الأمريكي، اعتباراً من مارس/ آذار 2026، ازدادت كلفة دعم الطاقة وتمويل البرامج الوطنية الاستراتيجية. وفي هذا السياق، يُنظر إلى قطاع المعادن، لا سيما النيكل، باعتباره الضمانة المالية الأكثر جدوى.
ومع وصول صادرات النيكل المُعالَج إلى 1.92 مليون طن، وقيمة صادرات سنوية تقارب 7.99 مليار دولار، فإنّ المكاسب المحتملة من الرسوم كبيرة. ويوفر هذا الحجم من الصادرات قاعدة واسعة تستطيع الحكومة من خلالها استخلاص قيمة مالية إضافية، من دون تقييد الإنتاج بشكل فوري.
وفي ظل ظروف سوقية أكثر ملاءمة، لا سيما خلال فترات ازدهار أسعار السلع، قد ترتفع الإيرادات بشكل حاد. وإذا اقتربت معدلات الفائدة التصاعدية من 10%، فقد يصل الدخل السنوي إلى 13.57 تريليون روبية، ما يوفر هامش أمان هام في مواجهة الضغوط المالية المتزايدة.
وبعيداً عن الدوافع المالية، تستند هذه السياسة إلى ضرورة استراتيجية أكبر هي الحفاظ على الموارد. فإندونيسيا تُخاطر باستنزاف احتياطياتها من النيكل عالي الجودة من خام السابروليت، من خلال انتشار أفران الصهر الكهربائية الدوارة، والتي تستهلك كميات هائلة من الموارد.
وقد يؤدي تصدير الحديد الخام المحتوي على النيكل، من دون ضوابط، إلى تسريع استنزاف الاحتياطيات بشكل يفوق التوقعات الأولية بكثير، ما قد يقوض استدامة صناعة الصلب المحلية على المدى الطويل. وهذا يثير مخاوف ليس بشأن استدامة الموارد فقط، بل أيضاً بشأن الأمن الصناعي في المستقبل.
وستؤدي هذه السياسة أيضاً إلى نوع من الانتقاء الصناعي. وستواجه مصاهر المعادن الحرارية غير الفعالة، التي تعمل بالفعل بتكاليف نقدية تقارب 14700 دولار للطن، انخفاضاً حاداً في هوامش الربح، ما سيجبرها على الاندماج، أو التحديث التكنولوجي، أو الخروج من السوق تماماً.
ومن المتوقع أن يواجه المشهد الاستثماري في قطاع النيكل في إندونيسيا تحولاً كبيراً.
لقد سحبت الحكومة صراحة حوافز الإعفاء الضريبي لمشاريع صهر الحديد الزهر النيكل الجديدة، ما أدى إلى إعادة توجيه رأس المال الأجنبي - خاصة من الصين - بعيداً عن إنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ نحو التقنيات الهيدروميتالية، مثل الترشيح الحمضي عالي الضغط.
ومن المرجح أن يعيد المستثمرون الذين يسعون إلى تحقيق عوائد سريعة من المنتجات شبه المصنعة النظر في الأمر، بينما سيجد أولئك الذين يتماشون مع الإنتاج طويل الأجل، وعالي القيمة فرصاً أكبر.
تُتيح مكانة إندونيسيا الرائدة، التي تمتلك 42.3% من احتياطيات النيكل العالمية، قوة تفاوضية كبيرة. وعلى الرغم من أن رسوم التصدير قد تُثير مخاوف بشأن عدم استقرار الأنظمة، إلا أن أهميتها الاستراتيجية تضمن ضرورة تكيف المستثمرين العالميين. ولم يعد التركيز على كمية الاستثمار، بل على جودته، لا سيما في ما يتعلق بنقل التكنولوجيا والامتثال البيئي.
* محلل ومراقب الاقتصاد الأخضر في إندونيسيا ( آسيا تايمز)
