منذ أن بدأ اسم كيفن وارش يتصدر المشهد كخليفة محتمل لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلفاً لجيروم باول، انصبّ اهتمام الأسواق على سؤال تقليدي، إلى أين تتجه أسعار الفائدة؟ لكن النقاش الحقيقي داخل أروقة «وول ستريت» يبدو أعمق وأكثر حساسية وأهمية، لكونه يتعلق بإعادة صياغة الطريقة التي يدير بها البنك المركزي البنية التحتية المالية للاقتصاد الأكبر في العالم.
وارش، المعروف بانتقاداته المتكررة لتضخم ميزانية الفيدرالي، لا يتحدث فقط عن سياسة نقدية أكثر تشدداً أو مرونة، بل عن «تغيير نظام» كامل في فلسفة تدخل البنك المركزي بالأسواق. وهو تحول قد يعيد رسم العلاقة بين الفيدرالي والبنوك وأسواق السندات، وحتى المستثمرين الذين اعتادوا طوال السنوات الماضية على وجود بنك مركزي جاهز دائماً للتدخل وإنقاذ الأسواق عند أول اضطراب.
تضخم الميزانية إلى 9 تريليونات دولار
في جوهر هذا النقاش، هل ينبغي أن تبقى ميزانية الفيدرالي العمومية أداة دائمة لدعم الأسواق وتوجيه الأوضاع المالية، أم أن استخدامها يجب أن يقتصر فقط على لحظات الأزمات العميقة والاختلالات الحادة؟
منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، تحوّل الاحتياطي الفيدرالي من مؤسسة نقدية تقليدية إلى لاعب مركزي ضخم في أسواق المال الأمريكية. فقبل الأزمة، لم تتجاوز ميزانيته العمومية 800 مليار دولار، لكنها قفزت لاحقاً إلى ما يقارب 9 تريليونات دولار خلال ذروة برامج التحفيز والتيسير الكمي.
ورغم بدء عمليات تقليص الميزانية خلال الأعوام الأخيرة، لا تزال أصول الفيدرالي تبلغ نحو 6.8 تريليون دولار، أي ما يعادل 23% من حجم الاقتصاد الأمريكي، أي ما يقارب سبعة أضعاف ما كانت عليه قبل الأزمة المالية.
هذا التوسع الضخم لم يكن مجرد رقم محاسبي، بل غيّر طريقة عمل الأسواق بالكامل. فشراء الفيدرالي السندات الحكومية والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري ضخ سيولة هائلة داخل النظام المالي، وخفّض العوائد، وساهم في دعم أسواق الأسهم والائتمان والعقارات على مدى سنوات طويلة. لكن مع تراجع الضغوط الطارئة نسبياً وعودة التضخم إلى صدارة المخاطر الاقتصادية، بدأ تيار متصاعد داخل الأوساط النقدية يتساءل عمّا إذا كان البنك المركزي قد تجاوز حدود دوره التقليدي.
وارش وتقليص «بصمة» الفيدرالي
في مقال رأي نشره العام الماضي في صحيفة وول ستريت جورنال، وصف وارش ميزانية الفيدرالي بأنها متضخمة، معتبراً أن تقليصها قد يمنح البنك المركزي مساحة لخفض أسعار الفائدة من دون إشعال ضغوط تضخمية إضافية. غير أن ما يطرحه وارش لا يقتصر على خفض حجم الميزانية العمومية فحسب، بل يمتد إلى إعادة تعريف آلية انتقال السياسة النقدية داخل الاقتصاد الأمريكي.
ومن بين الأفكار الأكثر إثارة للجدل، ما طرحه ستيف بليتز، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في شركة «تي إس لومبارد»، عن أن الاحتياطي الفيدرالي، بقيادة وارش، قد يُولي أهمية أكبر لسوق اتفاقيات إعادة الشراء لليلة واحدة «الريبو» في توجيه السياسة النقدية، بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على سعر الفائدة بين البنوك كأداة رئيسية. ويمثل سوق الريبو، العمود الفقري للتمويل قصير الأجل في الولايات المتحدة، نمطاً حيوياً في تمويل تداولات سندات الخزانة وضمان تدفق السيولة داخل النظام المالي.
ويرى اقتصاديون أن اعتماد الفيدرالي بصورة أكبر على هذا السوق قد يمنح البنك المركزي مرونة أكبر في التحكم بالسيولة، مع الإبقاء على ظروف تمويل أكثر تشدداً حتى في حال خفض أسعار الفائدة الاسمية.
انقسام داخلي
لا تحظى هذه الرؤية بإجماع داخل الاحتياطي الفيدرالي نفسه. فالمحافظ، مايكل بار، حذر من أن التركيز فقط على تقليص الميزانية العمومية من شأنه تقويض مرونة البنوك، وإعاقة عمل سوق المال، وفي نهاية المطاف، تهديد الاستقرار المالي.
وتتلخص أطروحة بار في أن النظر إلى حجم الميزانية العمومية فقط يُعدّ ضيق الأفق، وأن هناك جوانب أخرى مهمة، مثل كيفية تكوينها من حيث المدة والتركيب، وإهمال هذه الجوانب قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، مثل زيادة التقلبات، بل وحتى احتمال تدخلات إضافية من المركزي.
كما شدد على أن أي خفض سريع للاحتياطيات البنكية قد يضعف قدرة البنوك على مواجهة الصدمات المستقبلية.