لا يزال لبنان يدفع من أبنائه وممتلكاته وسيادته ثمناً باهظاً للتجاذبات الداخلية والإقليمية والدولية، ما يبقيه مستباحاً بأكثر من وجه وضحية لكونه ساحة اختبار إرادات مرهونة بالتطورات الجارية في المنطقة.
لبنان، الوطن والشعب، يقف وحيداً مكتوياً بالنار في غياب عجز مؤسساته الرسمية عن ترجمة جهود حصر السلاح في يد الدولة، واستمرار الارتباط بين «حزب الله» وإيران، وعدم اتعاظ الأول مما يجري في المنطقة منذ أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وما أحدثته من تحولات في موازين القوى وما يوصف بوحدة الساحات في مواجهة إسرائيل.
يصر لسان «حزب الله» على أن يجلب الويلات للشعب اللبناني، محتكراً قرار «المقاومة»، رافضاً الالتزام بسياسة الدولة، والأخطر من ذلك الرهان على النظام الإيراني الذي يجرّ لبنان إلى مسار آخر للتفاوض، أي التفاوض بين طهران والولايات المتحدة، وجعله أحد ملفات المناورة وتضييع الوقت، والقول إن ذراعاً إيرانية لا تزال فاعلة في الأراضي اللبنانية وتملك تأثيراً في تقرير مستقبلها.
في خلفية التطورات، لا يمكن تجاهل رمزية بقاء السفير الإيراني في بيروت، رغم الرفض الرسمي له، وما يمثل ذلك من الإصرار على المس بسيادة لبنان، وهو أمر يتورط فيه ويشجع عليه «حزب الله» الذي قال إنه تلقى تطمينات من وزير الخارجية الإيراني بأن طهران «لن تتخلى» عن دعمه، وأن لبنان مشمول في أحدث مقترح إيراني لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة.
«حزب الله» يملك قدرة على الانفصال عن الواقع تصور له أنه لبنان وأنه رمز مقاومته وانتصاره، بينما استباحت إسرائيل ما بعد معاقله في الجنوب، ووزير الخارجية الإيراني يمعن في النيل من سيادة وطن عربي والاستمرار في التدخل في شأنه، والاحتفاظ بوكيل فيه، رغم كل ما قيل عن مصائب الأذرع الإيرانية في عواصم عربية، وأثر ذلك في سيادتها وأمنها واستقرار الإقليم كله.
بموازاة ذلك، لم يهنأ اللبنانيون في الجنوب وغيره بالهدنة مع إسرائيل، لا في إطارها الزمني الأول ولا بعد تمديدها.
يتبادل «حزب الله» وإسرائيل كل فترة اتهام خرق الهدنة، لكن معاناة اللبنانيين لم تتوقف حتى الآن، وتواصل خلق غزة جديدة بما لذلك من ثمن إنساني وجغرافي لا ينفصل عن واقع لبنان المستباح.
لا يغيّر من الأمر أن يرى لبنان الرسمي في المفاوضات مع إسرائيل منجاة للبنانيين، رغم معارضة «حزب الله»، ولا قبول الجانب الإسرائيلي الانخراط فيها في الولايات المتحدة وبرعايتها وتشجيعها، فواقع المعاناة اللبنانية يتفاقم، وسيزداد سوءاً بإصرار النظام الإيراني على أن يبقى لبنان ضمن أدواته للمراوغة.
كل هذه الوجوه المتداخلة للاستباحة تعني، للأسف، أن فقدان أكثر من ثلاثة آلاف شخص، وتهجير ما يزيد على مليون، وتدمير قرى وإخلاءها مصائب لا نهاية قريبة لها، ما دامت أطراف عدة تتاجر بلبنان وترفض انفصاله عن ملفات الصراع في المنطقة.
