في مسيرة الأمم، لا تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من جيوش، أو ثروات، أو موارد طبيعية، فحسب، بل بقدرتها على إدراك اللحظة التاريخية التي تعيشها، وفهم التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل العالم من حولها. فلكل عصر منطقه، ولكل مرحلة أدواتها، ومن يعجز عن مواكبة التحولات يبدأ – من حيث لا يشعر – رحلة التآكل التي سبقت سقوط كثير من القوى والإمبراطوريات، عبر التاريخ.
ولم تكن نهاية الدول الكبرى في معظم الأحيان نتيجة هزيمة عسكرية مفاجئة، بل نتيجة تراكم طويل بدأ يوم فقدت قدرتها على قراءة زمنها، وأصرت على إدارة حاضرها بعقلية الماضي. أما الدول التي استمرت وازدهرت، فهي تلك التي امتلكت شجاعة المراجعة، وأعادت ترتيب أولوياتها، وطورت أدواتها بما يتناسب مع متطلبات العصر، من دون أن تتخلى عن هويتها، أو مصالحها.
من أخطر المعضلات السياسية أن تتحول الأيديولوجيا من إطار فكري يخدم الدولة إلى سلطة تعلو عليها. ففي بداياتها قد تمنح المجتمع تماسكاً ورؤية مشتركة، لكنها تصبح عبئا عندما تتحول إلى غاية، بينما تغدو الدولة مجرد وسيلة لخدمتها.
عندئذٍ تتغير الأولويات، فتتراجع التنمية أمام الصراع، ويُقدَّم المشروع على رفاه الإنسان، وتُستهلك الموارد في معارك ممتدة، بينما تتأخر فرص النمو والازدهار. وهنا يبدأ التآكل الحقيقي، ليس بسبب نقص الإمكانات، وإنما بسبب اختلال ترتيب الأولويات.
في هذا السياق، تقدم إيران نموذجاً جديراً بالتأمل. فهي تمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً، وثروات طبيعية هائلة، وقاعدة، علمية وصناعية، متقدمة، وشعباً يتمتع بكفاءات كبيرة، وهي مقومات كانت تؤهلها لتكون إحدى القوى الاقتصادية الكبرى في آسيا والشرق الأوسط، لو وُجهت بصورة رئيسية نحو التنمية، وبناء اقتصاد تنافسي، وإقامة علاقات مستقرة مع محيطها الإقليمي.
غير أن مسارها منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 اتجه إلى إعطاء المشروع الأيديولوجي أولوية متقدمة على كثير من الاعتبارات المرتبطة بالتنمية، والاقتصاد، والعلاقات مع الجوار. ومع مرور الوقت، لم يعُد السؤال: كيف تخدم الأيديولوجيا الدولة؟ بل أصبح: كيف تُسخَّر الدولة لخدمة المشروع؟
وهنا تكمن المفارقة، فحين تتحول الدولة إلى أداة لتنفيذ مشروع يتجاوز أولوياتها الوطنية، تصبح مواردها واقتصادها وعلاقاتها الخارجية جزءاً من كلفة ذلك المشروع، وتتراجع تدريجيا فرص التنمية والازدهار، بينما تتزايد الضغوط، الداخلية والخارجية، التي تستنزف الدولة نفسها.
لقد تغيّرت قواعد القوة في القرن الحادي والعشرين. فلم تعد مكانة الدول تُقاس بحجم جيوشها فقط، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، وامتلاك التكنولوجيا، وبناء اقتصاد تنافسي، وجذب الاستثمارات، وتحقيق جودة الحياة لشعوبها.
ولهذا اتجهت دول كثيرة إلى مراجعة سياساتها، وإعادة تعريف مصالحها، والانفتاح على محيطها، إدراكاً منها أن المستقبل يُبنى بالتكامل والتعاون أكثر مما يُبنى بالمواجهة الدائمة، وأن التنمية أصبحت أساس النفوذ الحقيقي، بينما باتت الصراعات الممتدة تستنزف الدول أكثر مما تعزز مكانتها.
إن الدولة الحديثة لا تُقاس بقدرتها على حماية حدودها فقط، بل أيضاً بقدرتها على بناء شبكة واسعة من العلاقات المتوازنة، مع دول الجوار والعالم. فالعلاقات المستقرة ليست مجرّد خيار دبلوماسي، وإنما أصل من أصول التنمية، لأنها تفتح الأسواق، وتجذب الاستثمارات، وتنقل المعرفة والتكنولوجيا، وتختصر الزمن الذي تحتاج إليه الدول لتحقيق نهضتها. وكلما اتسعت دائرة الشراكات، اتسعت معها فرص النمو، وتحولت الجغرافيا من مصدر للتوتر إلى منصة للتكامل والتقدم. وقد أثبتت تجارب الدول الناجحة أن التنمية لا تزدهر في بيئات الصراع الدائم، وإنما في بيئات الاستقرار والثقة والتعاون. فالدولة التي تنشغل بإدارة الأزمات تستنزف مواردها في المحافظة على توازنها، بينما الدولة التي تبني جسور التعاون توظف إمكاناتها في بناء الإنسان، وتطوير الاقتصاد، والاستثمار في المستقبل.
إن هذه السنّة التاريخية لا تنطبق على دولة بعينها، ولا على مرحلة زمنية محدّدة، بل تكاد تكون قانوناً من قوانين التاريخ السياسي. فكل دولة تعجز عن قراءة عصرها، أو تخلط بين الثابت والمتغير، أو تجعل الوسائل غايات، تجد نفسها مع مرور الزمن في مواجهة تحديات كان يمكن تجنبها، لو امتلكت شجاعة المراجعة، وحكمة التكيف.
إن التاريخ لا يطلب من الدول أن تتخلى عن هويتها أو مبادئها، لكنه يفرض عليها أن تدرك أن لكل عصر منطقه وأدواته. وقد أثبتت تجارب الأمم أن التآكل لا يبدأ يوم تخسر الدولة حرباً، بل يوم تفقد قدرتها على مراجعة ذاتها، وتصرّ على إدارة حاضرها بعقلية الماضي.
فالوعي باللحظة التاريخية لا يعني التخلي عن المبادئ، بل يعني توجيهها لخدمة الإنسان والدولة، وجعل التنمية أولوية، وبناء علاقات متوازنة مع دول الجوار والعالم، وإقامة شراكات فاعلة تحقق المصالح المشتركة، وتختصر الطريق إلى المستقبل.
وهكذا يبقى الدرس الأكبر الذي يقدمه التاريخ واضحاً: إن الدول لا تسقط لأنها ضعيفة، وإنما لأنها أخطأت قراءة زمنها، ولا تنهض لأنها الأقوى، وإنما لأنها امتلكت شجاعة المراجعة، وحكمة التكيف، وبصيرة إدراك اللحظة التاريخية قبل أن تتحول إلى لحظة تآكل يصعب تداركها.
