موضي الشامسي
الكلمة.. تُبنى بها الأرواح أو تُهدم.. في حياة الإنسان أشياء كثيرة تمر بعضها مروراً عابراً لكن تبقى الكلمة من أهم وأكثر الأمور أثراً وعمقاً.. قد ننسى ملامح أو موقفاً كاملاً، لكننا لا ننسى أبداً كلمة قيلت لنا في لحظة من لحظات ذلك الموقف، كلمة بقيت محفورة في الذاكرة.
ولا ننسى كذلك كلمة قيلت لنا في لحظة معينة، أو عبارة رفعتنا من الشعور بالانكسار إلى سماء القوة والعزة، فالكلمات ليست حروفاً تُكتب أو تُقال، بل هي عالمٌ من شعور يترك فينا أثراً.. أو يغير مصائر البشر.
كم من كلمة دفعت بطفل صغير أن يصبح رجلاً يشار إليه بالبنان، فكبر ذلك الطفل ناجحاً واثقاً بنفسه. وكم من كلمة قاسية زرعت الخوف قي قلب إنسان، فظلَّ يحمل أثرها على أكتافه سنوات طويلة.
كلنا نعلم أن أعظم ما تمتلكه العلاقات الصحيحة ليس المال ولا المكانة الاجتماعية وإنما هي لغة التواصل من خلال ذلك الحديث المملوء بالكلمة الطيبة التي تحمل معها مفاتيح القلوب البشرية المغلقة، والتي تعيد الأمل الغائب لدى القلوب المنهكة من تعب الأيام.
الكلمة الطيبة تمنح الإنسان ذلك الشعور الجميل الذي يحلّق بالروح إلى الأعلى، فيشعر الإنسان أنه محبوب ومقدّر.. وفي المقابل في تلك الزاوية الأخرى من الحياة نجد كلمة جارحة تهوي بصاحبها إلى قاع من الحزن والانكسار.
حياتنا اليوم سريعة، مزدحمة بضغوط لا نهاية لها وانفعالات وهموم، لذلك أصبح البشر في حاجة ماسّة إلى كلمات لطيفة.. كلمة تقدير لموظف متعب، وكلمة فخر لابن يحاول، وكلمة دعم لصديق معجون بالحزن لأنه يمر بظروف صعبة، وكلمة اعتذار صادقة، وكلمة حب جميلة، وكلمة مواساة، وكلمة تتلوها كلمة، جميعها قادرة على ترميم شيء مكسور في داخلنا جميعاً.
من هنا تبدأ رسالتنا لكل أب وأم: اجعلوا كلماتكم مصدر أمان لأبنائكم.. مصدر ثقة لا إحباط فيها؛ فالأبناء يكبرون على ما يسمعونه منكم.. فالكلمة في البيت هي من تصنع الشخصيات المتوازنة، وفي المقابل تصنع الأرواح المثقلة بالقلق والانكسار.
الرسالة التالية لكل مدير وقائد في موقع المسؤولية.. الكلمة ليست أداة توجيه إداري، بل هي من أدوات بناء الإنسان. ولا ننسى الأصدقاء، رسالتنا لهم.. كونوا سنداً بالكلمة والمواقف فالأصدقاء لا يحتاجون منا إلى حلول بقدر حاجتهم إلى عبارة صادقة تقول.. أنا معك.
والرسالة الأخيرة في حياتنا اليومية عبر الطرقات وأماكن العمل وفي المتاجر والمعاملات اليومية لابد أن نتذكر أن البشر يحملون في داخلهم ما لا نراه من تعب وضغوط وهموم، وكلمة لطيفة منّا قد تخفف عنهم. بينما الكلمة القاسية تترك أثراً لا ينسى.
إن البشر لا يتذكرون تفاصيل الأيام لكنهم يتذكرون دائماً كيف جعلهم الآخرون يشعرون.. وهذه المشاعر غالباً تصنعها الكلمات، فلننتبه لما نقوله دائماً.. ولنجعل كلماتنا جسوراً نحو السماء لا أبواباً تُلقي بالآخرين إلى القاع، فربما كلمة منّا تكون سبباً في نجاة قلب أو بداية حياة ملؤها النور لإنسان يحتاج إلى هذا النور..
فالكلمة الطيبة رزق من الله.
*رئيس مؤسسة الشارقة للتنمية الأسرية
