التاريخ لا يعيد نفسه، ومع ذلك لا تزال الولايات المتحدة تريد السيطرة على كوبا، أو إسقاط نظامها، باعتباره نظاماً معادياً لها بذريعة ارتباطه بروسيا والصين راهناً، وارتباطه بالاتحاد السوفييتي سابقاً، على الرغم من أن الأمر يأخذ بعداً أكثر عمقاً وشمولية، هذه المرة.
ولكن لا بأس من العودة قليلاً إلى الوراء، فمنذ قبل ما يعرف بأزمة «خليج الخنازير» في عام 1961، كانت الثورة الكوبية، بقيادة فيدل كاسترو، قد نجحت في عام 1959 في إسقاط نظام باتيستا الذي كان يعتبر رمزاً للفساد والتبعية للولايات المتحدة. ما أغضب واشنطن التي جنّدت مئات المعارضين الكوبيين في المنفي لإسقاط نظام كاسترو في المهد، والذي كان قد أصبح حليفاً للاتحاد السوفييتي آنذاك.
وبالفعل، تم تنفيذ ما عرف بإنزال «خليج الخازير» في إبريل/ نيسان 1961، غير أن العملية منيت بالفشل الذريع، وسرعان ما أخذت بعداً دولياً بعد أن نشر الاتحاد السوفييتي صواريخ نووية متوسطة في الجزيرة الكوبية التي لا تبعد سوى نحو 150 كيلومتراً عن السواحل الأمريكية، فيما ردت الولايات المتحدة بنشر صواريخ مماثلة في المقابل، وهددت بغزو الجزيرة في تطور كاد ينذر باندلاع حرب نووية عالمية.
يومها كان هناك نيكيتا خورتشوف وجون كيندي اللذين توصّلا، في نهاية المطاف، إلى تسوية سلمية انتهت بسحب الصواريخ السوفييتية، وتعهّد أمريكي بعدم غزو الجزيرة. لكن منذ ذلك التاريخ أيضاً، فرضت واشنطن حصاراً اقتصادياً على الجزيرة، تم تخفيفه قليلاً في عهد أوباما، وها هي تعود اليوم إلى واجهة الصراع، ليس على خلفية العداء الأيديولوجي والتاريخي بين الجانبين فقط، وإنما لأنها تدخل في صلب العقيدة الأمريكية الجديدة الهادفة لإعادة بسط سيطرتها على ما تعتبره «حديقة خلفية» لها، ورسم خرائط نفوذ جديدة تقضي بفرض هيمنتها على الأمريكتين، ونصف الكرة الغربي.
من هنا، يمكن النظر إلى محاولات السيطرة على قناة بنما، وجزيرة غرينلاند، وضم كندا، ثم السيطرة على فنزويلا واقتياد رئيسها، نيكولاس مادورو، سجيناً إلى الولايات المتحدة، على أنها جزء من الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، القائمة على إسقاط ما تعتبره أنظمة معادية في القارة اللاتينية، وتنصيب أنظمة موالية لها، للاستيلاء على ثرواتها أولاً، وفكّ ارتباط دول القارة مع منافسيها الكبيرين، روسيا والصين.
في هذا السياق، شدّدت الولايات المتحدة حصارها الإقتصادي والعسكري على كوبا، إلى الحد الذي بات يخنق سكان الجزيرة، ويرقى إلى مستوى العقاب الجماعي، حيث انقطاع الكهرباء بشكل شبه متواصل، وإغلاق المدارس والجامعات في بعض أنحاء البلاد، بسبب ندرة المحروقات، في تناقض صارخ مع كل الأعراف والقوانين الدولية. ومع ذلك، لا يبدو أن كوبا من النوع الذي يقبل الاستسلام، إذ حذرت من أن أيّ محاولة لغزو الجزيرة ستؤدي إلى بحور من الدماء، وسيكون لها تداعيات خطرة على المستوى الدولي.
