ترتبط حياة ورفاهية المليارات من البشر حول العالم بسهولة وانسيابية وحرية الملاحة في الممرات والمضايق البحرية التي تمر عبرها نحو 80% من التجارة العالمية التي وصلت عام 2025 إلى 35 تريليون دولار، وهو ما يجعل هذه المضايق بمثابة «الشرايين الحيوية» التي تمد الجسد العالمي بمقومات الحياة، وينظر إليها باعتبارها «الصمامات الآمنة» لتدفق السلع والبضائع والخدمات حول أرجاء المسكونة، وهو ما يكشف الدور الحيوي والجيو-اقتصادي للمضايق البحرية، ومن أبرز تلك المضايق والممرات البحرية مضايق: ملقا، وهرمز، وباب المندب، وجبل طارق والدردنيل والبوسفور وماجلان وبيرنج وفلوريدا.
مضيق هرمز
رسمت القوانين والاتفاقيات الدولية «خطوطاً فاصلة» بين حقوق وواجبات الدول المتشاطئة للمضايق البحرية، كما أن المعاهدات الدولية منذ القرن الماضي وضعت «خطوطاً حمراء» لأي محاولة من جانب أي دولة لعرقلة الملاحة أو التأثير السلبي على سلاسل الإمداد عبر التأكيد على الفوارق الواضحة، والتي لا تحتمل أي تأويل -بين «المرور العابر والحر» وبين ما يسمى «بالمرور البريء» عبر تحديد المسافات الدقيقة بين المياه الإقليمية «البحر الإقليمي»، والمياه الدولية، فما هي الأدوات التي يملكها العالم لضمان حرية الملاحة دون أي تهديد أو ابتزاز؟ وكيف رسخت المعاهدات الدولية لحق «المرور العابر» في المياه الدولية؟ وما هي أبرز المضايق المائية العالمية؟ وإلى أي مدى يشكل طلب رسوم أو إغلاق المضايق جريمة بحق العالم أجمع وليس فقط بحق دول وشعوب الجوار؟
الزوارق الإيرانية تهدد الملاحة في مضيق هرمز
مضيق ملقا
جبل طارق
مكانة راسخة
منذ العصور القديمة كانت المضايق البحرية محور للصراعات والتحالفات الإقليمية والدولية، لأن من يسيطر على المضايق يستطيع توجيه مسار التفاعلات السياسية الدولية، وتكتسب المضايق البحرية أهميتها من «الجغرافيا السياسية»، لأن الجغرافيا ثابته بينما الاقتصاد والمواقف السياسية حولها تتغير، ولهذا يصف البعض المضايق بـ«نقاط الخنق» التي تتحول إلى أزمة في الاقتصاد العالمي حال إغلاق أي من هذه المضايق كما يجري الآن في مضيق هرمز، وأبرز المضايق العالمية ما يلي:
1 - مضيق ملقا
هو أكثر المضايق البحرية ازدحاماً بالسفن التجارية حيث تمر به نحو 80 ألف سفينة عملاقة سنوياً تشكل نحو 30% من التجارة العالمية، وهو البوابة الرئيسية لنقل البضائع الآسيوية من الصين واليابان وكوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا، لأنه يربط بين المحيطين الهادئ والهندي، وتشرف عليه إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، ويطلق عليه «معضلة ملقا» حيث تخشى الصين أن يقوم الجيش الأمريكي بإغلاقة حال نشوب صراع حول تايوان.
2 - مضيق هرمز
ويربط بين الخليج العربي وبحر العرب المرتبط بالمحيط الهندي، وتمر من خلاله نحو 110 سفن تجارية يومية تحمل نحو 20% من النفط المنقول بحراً، ونحو ثلث الغاز الطبيعي، وكميات كبيرة من مكونات الأسمدة الرئيسية، ولهذا أدى الإغلاق الإيراني للمضيق إلى رفع أسعار النفط والغاز والشحن والتأمين عالمياً، وعندما تقلصت كميات اليوريا والكبريت التي كانت تمر عبر مضيق هرمز أدى ذلك لرفع أسعار الغذاء عالمياً بنسبة تصل إلى 20%، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة العالمية «الفاو»، لكن أكثر ما يدعم العالم للتكتل والوقوف صفاً واحداً من أجل فتح مضيق هرمز أن هناك نحو 1500 سفينة محتجزة داخل الخليج العربي عليها نحو 40 ألف بحّار منهم نحو 20 ألف بحّار هندي لا يستطيعون المغادرة، كما أن الاقتصاديات الآسيوية الكبيرة التي تعتمد على النفط الخليجي مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تأثرت بشدة، ويمكن أن تقود إطالة زمن إغلاق مضيق هرمز إلى تباطؤ في الاقتصاد العالمي أو ركود اقتصادي في نهاية المطاف.
3 - مضيق باب المندب
ويربط بين آسيا وإفريقيا حيث تشرف عليه اليمن من الجانب الآسيوي، وإريتريا وجيبوتي من الجانب الإفريقي، ويربط بحر العرب وخليج عدن بالبحر الأحمر الذي ينتهي شمالاً بقناة السويس التي تربط بدورها البحر الأحمر بالبحر المتوسط، ويمر فيه نحو 13% من التجارة الدولية.
4 - الدردنيل والبوسفور
ويطلق عليهما «الممرات التركية»، نظراً لأنهما يفصلان بين الشطرين الآسيوي والأوربي من تركيا، ويصلان البحر الأسود بالبحر المتوسط، ولهما جزء رئيسي من تجارة الدول المطلة على البحر الأسود وهي تركيا وبلغاريا ورومانيا وجورجيا وأوكرانيا وروسيا، والتي تمر عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور، ويربط بحر مرمرة بين مضيقي البوسفور والدردنيل حيث يقع البوسفور إلى الشمال، وتمر خلاله سنويا نحو 40 ألف سفينة تنقل الحبوب والمعادن والأسمدة من 6 دول تطل على البحر الأسود إلى العالم، وتسببت الرغبة في السيطرة على البوسفور في اندلاع معارك كبيرة منها معارك القرم وجاليبولي في الحرب العالمية الأولى، كما يتصارع حلف دول شمال الأطلسي «الناتو» وروسيا على بقاء نفوذهما بالقرب من البوسفور حيث رفضت روسيا انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى حلف «الناتو»، ولهذا بالقرب من البوسفور 3 دول في «الناتو» هي تركيا وبلغاريا ورومانيا، وثلاث دول خارج «الناتو» هي روسيا وجورجيا وأوكرانيا، بينما يقع الدردنيل في الجنوب الغربي ويفصل بين شبه جزيرة جاليبولي الأوروبية وبحر إيجة الآسيوي بطول 61 كم، وتمنح اتفاقية مونترو عام 1936 تركيا السيطرة الكاملة على مضيقي الدردنيل والبوسفور.
5 - مضيق جبل طارق
وهو يفصل بين عالمين، أوروبا شمالاً، وإفريقيا جنوباً، ويصل البحر المتوسط شرقاً بالمحيط الأطلسي غرباً، وتطل إسبانيا ومستعمرة جبل طارق التابعة للتاج البريطاني على مضيق جبل طارق من الشمال، والمملكة المغربية من الجنوب، وهو من أفضل المضايق العالمية نظراً لعمق المياه الذي يصل لنحو 900 متر بما يسمح لجميع أنواع السفن التجارية أو العسكرية بالمرور فيه دون مسارات محددة كما هو الحال في المضايق البحرية الضيقة الأخرى، ويمر نحو 300 سفينة يومياً ونحو 100 ألف سفينة سنوياً من مضيق جبل طارق، وهو بذلك ينقل نحو 20% من التجارة الدولية.
المرور العابر والمرور البريء
حددت النسخة الثالثة من اتفاقية الأمم المتحدة لأعالي البحار عام 1982، والتي يطلق عليها «نسخة جاميكا» الفروق الواضحة بين «المرور العابر» و«المرور البريء»، لكن قبل عام 1982 كان هناك اتفاقيات ومعاهدات ثنائية ومتعددة الأطراف حددت بوضوح طبيعة «المرور العابر» و«المرور البريء» مثل اتفاقية 1856 والتي أكدت على حرية الملاحة في المضايق الدنماركية، ومعاهدة ليميتس بين تشيلي والأرجنتين 1881 بشأن حرية الملاحة في (مضيق ماجلان).
أولاً: المرور البريء
قبل معاهدة الأمم المتحدة لأعالي البحار عام 1982، والتي تنظم طبيعة «المرور البريء» في المياه الإقليمية أو البحر الإقليمي «كان هناك معاهدة جنيف للبحر الإقليمي والمناطق المتاخمة له عام 1958، والتي تنظم «المرور البريء»، لكنها لم تتطرق إلى «العبور العابر»، ووفق بنود ومواد «المرور البريء» في مختلف المعاهدات الدولية، والذي يطبق فقط في المضايق والممرات الصناعية أو داخل المياه الإقليمية للدولة.
ومن حق كل دولة أن تطبق «المرور البريء» في المياه الإقليمية فقط، وليس في المياه الدولية، وفي البحار المفتوحة والخليج الواسع مثل البحر الأحمر أو المتوسط تكون المياه الإقليمية للدولة بمساحة 12 ميلاً بحرياً فقط، بعد ذلك تبدأ المياه الاقتصادية، والمياه الدولية، وتبدأ المشكلة عندما تحاول الدول التي تطل على الممرات الدولية مثل مضيق هرمز تطبيق «المرور البريء» بغرض فرض قيود على مرور السفن والطائرات في تلك المناطق، مثلما تسعى إيران بدون وجه حق إلى فرض رسوم مالية على كل سفينة تمر في المضيق، وهنا لا يمكن تطبيق قاعدة 12 ميلاً بحرياً «البحر الإقليمي» على المضايق البحرية، ولهذا لا يطبق حق «المرور البريء» إلا في الممرات البحرية الصناعية التي أنشأها البشر مثل قناة السويس أو قناة بنما، وتكون داخل الدولة الواحدة، وبالنسبة للدول مثل بنما ومصر هما فقط من يحق لهما تطبيق «المرور البريء» في فرض الرسوم أو تقييد حركة السفن والطائرات التي تمر في بنما وقناة السويس، حيث يتوجب أن تكون السفينة في حالة عبور سريع ومتواصل، كما يجب على الغواصات الإبحار فوق سطح الماء، وترفع علمها، ولا يسمح للطائرات بالتحليق فوق الممرات البحرية الصناعية دون إذن مسبق، ويحق للدولة الساحلية تعليق هذا المرور مؤقتاً إذا كان ذلك ضرورياً لحماية أمنها بشرط الإعلان عن ذلك مسبقاً، ووفق هذا المفهوم لا يحق لإيران تطبيق «المرور البريء» على مضيق هرمز، لأن مضيق هرمز مضيق دولي، فإذا كانت إيران تقع على الجزء الشمالي من المضيق فإن سلطنة عمان والإمارات تقعان على الجانب الجنوبي من المضيق أيضاً، ولهذا هو ممر دولي، وليس ممراً صناعياً أو ممراً داخلياً داخل الأراضي الإيرانية، ولهذا لا يحق لإيران إغلاق المضيق أو فرض رسوم أو وضع بروتوكول خاص بها لتيسير العمل في المضيق، لأن إيران نفسها وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لأعالي البحار عام 1982، وهي الاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ 1994.
ثانياً: المرور العابر
ماجلان
يطبق «المرور العابر» في المضايق الدولية التي تربط بين جزء من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة للدول المتشاطئة، التي تمتد في بعض البحار والمحيطات العريضة إلى نحو 400 ميل بحري كما هو الحال في مضايق هرمز، وملقا، وجبل طارق، وباب المندب، وهو «حق موسع» ويسمح بالمرور ليس فقط للسفن، بل للطائرات دون معوقات، ما دامت تلتزم بالسرعة وعدم التهديد بالقوة، ويسمح فيه للغواصات بالعبور وهي مغمورة تحت الماء بوضعها العملياتي المعتاد، ويشمل هذا الحق التحليق الجوي للطائرات العسكرية والمدنية فوق المضيق دون الحاجة لاستئذان الدولة المتشاطئة. 4 محاور للحماية
يحتاج الحفاظ على حرية الملاحة تطبيق استراتيجية دولية تجمع بين الضغط الدبلوماسي، والعقوبات الاقتصادية والردع العسكري، والتي يمكن أن تأخد 4 مسارات رئيسية وهي:
أولاً: الردع العسكري
حال عدم الالتزام بحرية الملاحة يتوجب على المجتمع الدولي الحفاظ على حرية الملاحة من خلال تشكيل تحالفات عسكرية دولية لحماية حرية الملاحة كما يفعل الأسطول الأمريكي في مضيق، فورموزا، الذي يربط بين البر الصيني وجزيرة تايوان، وسبق للولايات المتحدة أن شكلت القوة البحرية المشتركة اللازمة لحماية الملاحة في الشرق الأوسط والمحيط الهندي منذ عام 2002، التي عملت على حرية الملاحة في مضيق هرمز منذ 24 عاماً، ومثل تحالف «قوة الازدهار» الذي جري تشكيلة عام 2023 لحماية الملاحة في البحر الأحمر، وكذلك قوة «أسبيدس الأوروبية» التي تشكلت في 19 فبراير 2024 لحماية الملاحة في خليج عدن والبحر الأحمر وباب المندب.
ثانياً: مرافقة الناقلات
وهو سيناريو تكرر أثناء الحرب العراقية الإيرانية عندما استهدفت إيران بشكل مكثف السفن التجارية المتوجهة إلى الموانئ الخليجية بداية من عام 1984، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى مرافقة وحماية السفن التجارية في الخليج العربي، ونظراً لمرور نحو 120 سفينة تجارية في مضيق هرمز يومياً في الوقت الحالي تحتاج الولايات المتحدة إلى دعم من شركائها الأوروبيين وفي «حلف الناتو» .
ثالثاً: عدم الرضوخ للابتزاز
أفضل وسيلة للحفاظ على حرية الملاحة بشكل مستدام في المضايق المائية هو عدم الرضوخ للتهديدات أو الابتزاز بدفع الرسوم وهي مليونا دولار على كل سفينة، كما يسعى الحرس الثوري الإيراني، لأن نجاح الابتزاز في مضيق هرمز سوف يشجع أطرافاً أخرى على فرض رسوم في مضايق وممرات دولية أخرى، وهذا الأمر يمكن أن يؤدي الى انهيار التجارة الدولية، وعودة الكساد.
رابعاً: البدائل
أفضل وسيلة لمنع تكرار إغلاق مضيق هرمز أو غيره من المضايق هو تفريغ المضيق من مضمونة عبر توفير طرق وبدائل برية وسكك حديدية وبحرية كما فعلت السعودية في بناء خط لنقل النفط من شرق السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر والذي يطلق عليه خط «شرق- غرب»، وبناء دولة الإمارات لخط «حبشان- الفجيرة» لنقل النفط إلى بحر العرب مباشرة، ويمكن بناء خطوط مماثلة تربط الدول الخليجية مع موانئ سلطنة عمان خارج المضيق في اتجاه المحيط الهندي، وهو ما يجعل الضغط على الاقتصاد العالمي عبر إغلاق المضيق أمراً غير قابل للتكرار.
التاريخ يعلمنا أن خطورة أي سلاح تكمن فقط في استخدامة في المرة الأولى، وبعد ذلك لا يعد هذا السلاح فعالاً، وما قامت به إيران من تسليح الملاحة في مضيق هرمز لن يكون له أي جدوى في المستقبل، لأن الجميع بدأ بالفعل في العمل على بدائل لمضيق هرمز.