لم تكن منطقة الخليج يوماً، كما هي الخريطة العربية كاملة، خلواً من التحديات، ولا ينفصل ذلك عن الموقع الجغرافي في الأساس، ثم ما ظهر في باطنها من ثروات، وصولاً إلى كونها الآن رقماً مهماً في المعادلات العالمية، لا من باب صلتها بمصادر الطاقة العالمية وأمنها فحسب، إنما لأدوارها السياسية الفاعلة المؤسسة على عناصر قوة متعددة، سواء فيما يتصل بالقضايا العربية والإسلامية أو غيرها.
وسط تحديات، نشأ مجلس التعاون الخليجي في مثل هذا الشهر عام 1981، في استجابة لازمة وواعية لمهددات أمنية وسياسية، كانت إيران في قلبها أيضاً، ولتغيّر في طبيعة القوى الدولية الموجودة في المنطقة، ولرغبة حقيقية في توحيد المواقف وخلق إطار دفاعي مشترك يحمي الثروات، والمصالح المتزايدة، والطموحات المتصاعدة، وفي قلبها الارتقاء بالواقع الاقتصادي الاجتماعي لشعوب دول الخليج، وتطويع عوائد النفط للاستثمار في البشر؛ ليكونوا خط الدفاع الأول في مواجهة الأطماع القريبة والبعيدة.
ومر مجلس التعاون الخليجي مع الدول التي يحتويها بمنعطفات وتحديات خلال سنواته الـ 45، لكنه في المقابل نجح في تجاوزها ورسَّخ دعائم العمل المشترك بينها، وحوَّل رؤى مؤسسيه إلى مؤشرات وأرقام يسهل قراءتها على المستويات التنموية كلها، سواء على مستوى العلاقات بين الدول الست، أو بينها وبين أقاليم العالم. والأهم هو انعكاسات هذه المسيرة على الواقع البشري في دول الخليج، من حيث تأسيس وحدة اجتماعية بين شعوبها تتجاوز، خاصة في لحظات الخطر، المشاعر القُطرية، وتعبر عن وحدة المصير. ولا يمكن بالطبع ما عاد على دول الخليج من منح الاستثمار في الإنسان أولوية، خاصة في دول مثل الإمارات آمنت منذ البداية بأنه ثروتها الأغلى وسلاحها الأهم.
بالطبع، هناك مراجعات لأداء مجلس التعاون الخليجي، كحال التجمعات الإقليمية والدولية كلها، لكن الغالب عليها تزايد الإيمان بوجوده وتعزيز أدواره، خاصة مع التحديات التي تعيشها المنطقة.
صحيح أن حقائق كثيرة نبتت وترسَّخت فوق رمال هذه المنطقة، فلم يعد الواقع كما كان قبل 45 عاماً، وأن هناك تباينات في شأن التعامل مع بعض القضايا، وهذا طبيعي، لكن المعنى الحقيقي للتعاون، بمعناه العام، لم يتغير، وتغلب حتمية دوام الإيمان الخليجي المشترك بوحدة المصير والبناء على ما تحقق من مكتسبات بفضل الصيغة الإقليمية الجامعة.
تحضر إيران أيضاً في قلب التحديات الحالية، وهي ليست كما كانت في 1981 حين تأسس المجلس، ولا دوله على حالها، فهذه الدول مجتمعة، ومنفردة في أغلبها، أصبحت نموذجاً تنموياً ناجحاً له ثقله العالمي وكلمته المقدرة في الملفات الدولية الكبرى، بينما في الجوار ردّة سياسية واقتصادية وحضارية استغلت أول فرصة للتعبير عن نيتها المبيتة الاعتداء على محيطها.
هذه الاعتداءات تعززت في وجهها معاني التعاون، إن على مستوى كل بلد خليجي، أو في الشعور الجمعي الذي يعتبر المجلس أحد تجلياته.
