غَذّى مشروع كلمة للترجمة في أبوظبي شجرة الثقافة العربية بأكثر من ألف عنوان، بل، يقترب المشروع الترجماني الأكبر اليوم في الوطن العربي من حاجز الألفي عنوان في الأدب والعلوم والفنون والتاريخ والجغرافيا والفكر والفلسفة عن طريق شبكة مهنية واسعة من المترجمين العرب ذوي الاختصاصات واللغات والثقافات الحية، وبطباعة أنيقة وصناعة نشرية رفيعة المستوى.
نجم عن هذه الحرفية في الترجمة وفي صناعة الكتب مجموعة من السلاسل المتخصصة في عناوين في حدّ ذاتها، مثل التاريخ الكوني للتوابل، كتاب صغير يُقرأ في الحافلة والطائرة وفي أي صالة انتظار، وقد لفتني في هذه القراءة السريعة الخفيفة أن الفلفل الأسود أو الأسمر كان يطلق عليه قبل ٥٠٠ عام اسم «الذهب الأسود» لارتفاع قيمته الاقتصادية والتجارية، ويقول مؤلف الكتاب فريد كزارا إن التوابل كانت تشكّل جزءاً اساسياً في نموّ الاقتصاد الأوروبي «.. وكانت قيمتها نسبية، فمثلاً كانت قيمة باوند واحد من جوزة الطيب في ألمانيا عام ١٣٩٣ يساوي سبعة ثيران».
كان لدى شعوب العصور الوسطى أو بعضها اعتقاد شعبي راسخ بأن لا أحد يمكنه أن يتصوّر الجنة من دون طعم التوابل ورائحتها.
جوزة الطيب، كبش القرنفل، القرفة، الزعفران، الزنجبيل، الكزبرة، الكمّون، كانت رائحة الاقتصاد العالمي قبل مئات السنوات، كانت البواخر والبحار فضاء عالمياً للتداولات التجارية القائمة على هذه التوابل الشرقية عادة، وما إن دخلت إلى طعام الأوروبيين حتى جُنّ جنونهم، لا بل قاموا بتنظيم حملات استيطانية واستعمارية في الشرق بسبب التوابل، وبسببها نشبت بعض الحروب الكارثية.
أعود إلى الذهب الأسود، الفلفل في القرن الحادي عشر، وإليك هذه الفقرة حول الأهمية الاقتصادية لهذا التابل.. «استخدم الفلفل كوسيلة لدفع رسوم دخول السفن، كما كانت حبات الفلفل مقبولة كوسيلة لدفع الايجار والرسوم في بعض المدن الأوروبية التي اعتمدت الفلفل في حساباتها، وكان يمكن لبعض المزارعين في إنجلترا دفع إيجارهم بباوند واحد من الفلفل، وهي كمية تعادل أجر ثلاثة أسابيع في تلك المهنة، نجم عن ذلك عادة منح نبتة فلفل واحد كعربون استئجار مكان ما، ومن هنا ظهر مصطلح إيجار حبّات الفلفل»، ترجمة: ايزميرالدا حميدان.
يخبرنا كتاب التوابل أيضاً أن دولاً مثل البرتغال، وإسبانيا، وهولندا، كانت تتنافس على سوق التوابل في منطقتين من العالم هما بحسب الكتاب: جنوب آسيا، وجنوبها الشرقي في إطار الصراع على تجارة البهار العالمية.
اليوم ما الفلفل سوى مسحوق ناعم في علبة صغيرة على طاولة المائدة.
