هناك مواقف وأخبار تنتشر على السوشيال ميديا تجعلنا نتوقف قليلاً لنرى الصورة أو المشهد من بعيد، وكأننا نخرج من إطار الصورة لنراها بشكل أوضح؛ فوسط كل ما تزدحم بها حياتنا ووسط تكاثر الابتكارات وتداخل الصراعات وتزايد موجات «الترند» التي تدفع الناس بشكل عفوي وسريع لالتقاطها وتقليد معظمها، ما زالت تكبر وتعلو موجات «النظام الغذائي»، وتتضارب المعلومات بين ما هو صحي وما هو مضرّ، وفجأة تجد من يبحث لنفسه عن مساحة ليجد مكاناً وسط «منظّمي وجباتنا الغذائية» والمرشدين الصحيين للبشرية، فيبتكر نظاماً يثير به ضجة ويخلق بلبلة.
نعود قليلاً إلى الوراء، ونسأل أسئلة بسيطة، كيف عاش آباؤنا وأجدادنا في القرى والمدن وفي كل مكان، معتمدين على ما تنبته الأرض من خُضر وبقوليات وعلى ما يزرعونه ويحصدونه وعلى تربية المواشي والطيور والاستفادة من لحومها ومنتجاتها، ولم يأت من يضع لهم دليلاً يمشون عليه ليقيسوا كل صباح بميزان دقيق أوزانهم ويحسبون السعرات الحرارية وما سيكسبونه بالجرام إذا تناولوا وجبة من البيض والخبز والجبن واللبن..؟.
كل شيء صار بالميزان وبالسعرات، ما عدا الأخلاق التي لم يعد هناك من يحسبها والكلام الذي لم يعد له ميزان ومعيار يلتزم به الناس قبل النطق به وقبل التصرف!. تزداد موجات «الدايت» والأنظمة الغذائية التي تناقض بعضها بعضاً، وصار لأطباء التغذية دور أكبر من طبيب الأطفال وطبيب العائلة، ومع كل طبق وكل وجبة تجد من يصور فيديو «ينصحك» باتباع نظام الدكتور الفلاني، والريجيم الصحي «الأفضل في العالم» كما يقولون، وإذا جمعت المعلومات والآراء من كل ما يقع بين يديك على السوشيال ميديا، تجد نفسك تائهاً لا تعرف الصادق من المدعي، ولا تفهم على أي طريق تمشي لتعيش حياة طبيعية تضمن فيها أنك تحسن اختيار ما يدخل بدنك من طعام وشراب، وتكمل يومك بشكل طبيعي دون أن يتجاذبوك في كل اتجاه، وكأنهم يتعمدون شغل تفكيرك بتفاهات وإدخالك في متاهات بدل التركيز على ما هو أهم، مثل العمل وتطوير الذات والعقل وبناء الوعي والسعي خلف جوهر الإنسان وجوهر ومعنى الحياة بدل التوقف طويلاً عند البدن ووزنه وما تستهلكه من سعرات.. يزيدون الإنسان تقرباً من ملذات الطعام بحرمانه من بعضها ثم إعادته اليها.
العقل السليم يدرك ويحلل ويعرف دون توجيه من منظّري ومدعي التغذية على الصفحات والمواقع، أن الدجاج البلدي أفضل من التجاري المحقون بهرمونات تسبب أذى للإنسان، ويعرف أن ما يناسب جهازه الهضمي قد لا يناسب أخاه أو جاره، فيمتنع عن الحبوب مثلاً ليستعيض عنها بما يشبهها في المحتوى الغذائي.. والعقل السليم يعرف أن تجارة التغذية صارت أكبر وأخطر على الإنسان من تجارة الأعضاء لأنها أسهل وأسرع انتشاراً والواقعون في فخها كُثر حول العالم.
