قبل سنوات ليست بالبعيدة، كان «الطب النفسي» من الرفاهيات التي ليس بالضرورة أن يلجأ إليها الإنسان، هكذا كان يفكر كثير من الناس، بينما كان في نظر فئة أخرى وخصوصاً في عالمنا العربي أشبه بوصمة يخشون الاقتراب منها كي لا يقال عنهم «مرضى نفسيون»، والكلمة مرتبطة ذهنياً بالخلل العقلي.. لكن مفهوم ورؤية الناس للطب النفسي اليوم تغيرا، بل صار العلاج النفسي متداولاً ويتحدث عنه الناس بأريحية بل ولا يخشى الشباب من الإفصاح عن اسم الطبيب الذي يلجأون إليه وكلهم قناعة بأن كل إنسان يحتاج إلى من يعالج أزماته سواء تعود أسبابها لما مر به في حياته أم لا.
من تطور الحياة أيضاً، أن العلاج النفسي صار «موضة» تنعكس بالإيجاب على تصرفات الناس وحسن رؤيتهم للحياة ولذواتهم ولسلوكهم وللآخرين، كما دخل التطور على العلاج النفسي بحد ذاته ليتمكن من مواكبة العصر وأدواته، فصار هناك «علاج لإدمان الإنترنت والألعاب الإلكترونية»، أو يمكن اختصاره بالإدمان الرقمي؛ وأصبحت هناك عيادات متخصصة تستقبل المدمنين وغالباً ما يكونون من الأطفال والشباب.
هذه الالتفاتة الطبية التي تعنى بالصحة النفسية للأجيال الجديدة، موجودة في الإمارات ومصر، ولا شك في أنها ستزداد انتشاراً لأن تطور أدوات العصر ينتج عنه أمراض منها البدني ومنها النفسي، فشدة ارتباط الأطفال مثلاً بالألعاب الإلكترونية قد تتحول إلى إدمان يصعب على الأهل معالجته دون اللجوء إلى مساعدة من أهل الاختصاص، كذلك الشباب يدمنون التعامل مع الإنترنت وكافة الوسائل المتاحة في العالم الرقمي، منهم من يتحوّل إلى إنسان غير اجتماعي منغلق على نفسه ولا يجيد التعامل مع الآخرين إلا من خلف الشاشة وفي العالم الافتراضي، ومنهم من يسيء استخدام تلك الوسائل الحديثة فيصبح عبداً لها..
الإفراط في استخدام الشاشات مرض منتشر، ولا علاج له سوى بالوعي والفهم وتقبّل الواقع وحسن التعامل من أجل مساعدة الأطفال والمراهقين على التخلص التدريجي من إدمان الأجهزة الإلكترونية، ولا داعي للهروب من هذه الحقائق وتجاهلها خوفاً من الاعتراف بعدم قدرتنا على السيطرة على هؤلاء الصغار لتحديد وحصر تعاملهم مع العالم الرقمي؛ فالإدمان ليس محصوراً بالمخدرات، بل هو وصف لكل ما يتعود عليه الإنسان ويتمسك به حتى يصبح هو المتحكم برغباته ويحكم السيطرة على تفكيره وتصرفاته، ويسلبه حريته فيصعب عليه التخلي عنه، بل قد يحوّله إلى إنسان مكتئب أو عدواني ويترك أثراً سلبياً في حياته! لذلك علينا التعامل مع الإدمان الإلكتروني بجدية، والعمل على توعية كل الناس بكيفية التعامل مع الأبناء، وطلب المساعدة من أهل الاختصاص من أجل الحفاظ على سلامة الشباب والأطفال الذهنية والنفسية والبدنية.
