اختلف الاستقبال الدبلوماسي الذي خصّت به الصين الرئيس دونالد ترامب في زيارته الأخيرة، عن الاستقبالات السابقة للرؤساء الأمريكيين، بل اختلف عن استقباله هو ذاته عام 2017. فقد حصل ترامب على البروتوكول المعتاد، لكن بكين لم تكرّر الاحتفاء الإمبراطوري الاستثنائي الذي شهدته زيارته التاريخية الأولى. هذه الإشارة الرمزية تعكس تحوّلاً عميقاً في موازين القوى، وقراءة صينية مختلفة لشخصية ترامب ولموقع الولايات المتحدة في النظام العالمي.
ففي زيارته الأولى عام 2017، صحبَ ترامبَ كبار المديرين التنفيذيين لكبريات الشركات الأمريكية، ووُقّعت صفقات دفاعية وتجارية بمليارات الدولارات، استثمرتها واشنطن دعماً للصناعات العسكرية وتعزيزاً لنفوذها الدبلوماسي.
حينها، استُخدمت الزيارة أداةً للضغط الدولي وإعادة رسم خريطة التحالفات. أما زيارة 2026 فجاءت في سياق مختلف تماماً، إذ بات في وسع بكين أن تُعامل الزيارة بوصفها فرصة لاختبار عقيدة الصفقات الترامبية، لا مناسبةً لتقديم فروض الولاء الاقتصادي.
وقد وظّفت بكين نفوذها الإقليمي ورقة مساومة في عدة ملفات. فقد طالبت بتخفيف القيود الأمريكية على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي، ولوّحت بعلاقتها مع طهران لانتزاع تنازلات تجارية في ظل أزمة مضيق هرمز. وعلى الطاولة، حضرت ملفات بحر الصين الجنوبي وتايوان وأمن سلاسل التوريد، فيما حرصت واشنطن على التركيز على ما يخدم سرديتها الداخلية: تقليص العجز التجاري ودعم المزارعين الأمريكيين.
وضمن الحزمة التي قدّمتها بكين، التعهد بشراء دفعة أولى من 200 طائرة بوينغ أمريكية لدعم قطاع الصناعة الأمريكي، إلى جانب التزام بشراء فول الصويا واللحوم بقيمة تقدَّر بنحو 17 مليار دولار سنوياً للفترة 2026–2028. كما أُنشئ مجلسان جديدان: مجلس التجارة المشترك ومجلس الاستثمار المشترك، كأداتَين تتيحان لبكين التفاوض مباشرةً بعيداً عن السياسات الأحادية. وأبدت الصين استعداداً لشراء النفـــط والغــــاز الأمريكيين، وفتح مسار جزئي للتعاون في مجال المعادن النادرة الحيوية لصناعة أشباه الموصلات.
غير أن بكين تجنّبت تثبيت أرقام ملزمة فــي البيانــات الرسمية، احتفاظاً بهامش مناورة يسمح لها مثلاً باستبدال فول الصويا الأمريكي بنظيره البرازيلي الأرخص، وفق ما تقتضيه مصالحها.
ونجح الرئيس شي جين بينغ في انتزاع اعتراف أمريكي بإطار دبلوماسي جديد سُمّي «الاستقرار الاستراتيجي البنّاء»، ما يعني عملياً إقرار واشنطن بأن الصين شريك ندّ، لا منافس يجري احتواؤه. ورسّخت بكين تايوان خطاً أحمر عسكرياً، محذّرة من أن أي إساءة في إدارة الملف ستفضي إلى صدام خطر. وكان من النتائج الملموسة لذلك أن أبقى ترامب صفقة أسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار معلّقة، فيما حصلت بكين على هدنة تجارية أوقفت تصاعد الرسوم الجمركية التي كانت قد بلغت 145%.
في المقابل، رفضت الصين تقديم تنازلات جوهرية في ملف إيران، محافظةً على سياسة مستقلة تضمن تدفقاً تفضيلياً للنفط الإيراني، وتعزّز موقعها وسيطاً للطاقة على المستوى العالمي. كما رفضت أي تنازلات في ملفات الأمن السيبراني ورقائق الذكاء الاصطناعي، مستثمرةً حاجة واشنطن إلى التهدئة جراء حرب إيران وأزمة هرمز.
واستخدمت بكين ورقة المعادن النادرة بوصفها «سيف ديموقليس» المسلّط على سلاسل التوريد الأمريكية. فهي تدرك أن الصناعات الاستراتيجية الأمريكية –من الإلكترونيات الدقيقة إلى الصناعات العسكرية– تعتمد على هذه المعادن، ولذلك حافظت على هذه الورقة دون استخدامها فعلياً، تمهيداً لتوظيفها مستقبلاً في أي مفاوضات حول التكنولوجيا أو تايوان.
الفتور الذي أحاط بالزيارة لم يكن إساءة بروتوكولية، بل رسالة سياسية محسوبة: الصين ترى أن العالـــــم لـــم يعد يحتاج إلى استعراضات الاستقبال الباذخة لإرضاء الزائر الأمريكي. فقد تغيّر ميزان الثقة، وتراجعت «هيبة الزيارة الإمبراطورية» التي عرفتها 2017، لتحلّ محلها قمة عملية تتقاسم فيها بكين وواشنطن دور صانع القرار في النظام الدولي. ومن هنا، باتت الرسالة الرمزية للزيارة أن عصر الأحادية الأمريكية قد انقضى، وأن الصين تتعامل اليوم من موقع الندّ، لا من موقع الطرف المستضعف الذي يحتفي بالقوة الزائرة.
تكشف زيارة ترامب الأخيرة أن الملفات الحساسة – من التكنولوجيا والمعادن النادرة إلى تايوان والأزمات الإقليمية– لا تزال مفتوحة بلا تسوية حقيقية. وما حصل عليه ترامب صفقات قابلة للتسويق إعلامياً، وما حصلت عليه بكين هو الوقت والاعتراف والمساحة الاستراتيجية. وفي المحصلة، نحن أمام انفراج مؤقت يمنح الاقتصاد العالمي بعض الهدوء، لكنه لا يطفئ نار التنافس البنيوي. وفي ظل هذه المعادلة، تبقى الزيارة –بكل ما اكتنفها من فتور– أبلغَ تعبير عن انتقال العلاقات الصينية–الأمريكية من زمن الاحتفاء بالأقوى إلى زمن التفاوض بين متكافئَين.
* أستاذة مشاركة في العلوم السياسية، كلية العلوم السياسية والاقتصاد، جامعة بني سويف( مصر). خبيرة في السياسة الصينية، والشؤون الآسيوية. (موديرن ديبلوماسي)
