الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ليلة العيد

28 مايو 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 28 مايو 01:12 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
أذكرني مرتدياً «الشورت» وقد انتهينا من ذبح خروف العيد. قام بالذبح وسلخ الفروة جزار، أو بالأحرى صبي جزار، وأظن أنه حصل على الفروة أجراً على ما فعل بالخروف وعلى الوقت الذي قضاه بعد ذلك لمساعدة «سيدة» وأمها في جهود إزالة آثار ما فعل وإعادة «السطوح» إلى ما كانت عليه قبل الذبح نظيفة وأنيقة كما عهدناها دائماً ملعباً للصغار من سكان العمارة.
كنا، في عصر ذلك اليوم، «ملهوفين» على أداء ما تبقى لنا لنفعل من طقوس هذا اليوم المجيد. تجسدت لهفتنا في صرخات فرح وانبهار بوصول صبي الفران يحمل ألواحاً من الخوص تحمل بدورها عشرات الأرغفة الملتهبة سخونة. تتسلمها أمي مقابل عيدية مناسبة لحاملها الذي راح يهمس في أذن «سيدة» برسالة فحواها أنه سيكون بانتظارها مع أمها ليحصل على نصيب عندما تبدآن في توزيع الأرغفة على المتسولين والدراويش المقيمين بصفة دائمة حول مسجد السيدة زينب.
استدارت أمي ناحيتي لتطلب مني الدخول إلى المطبخ لأطلب من «سيدة» وضع أحد الأرغفة المحشوة بالأرز واللحم المسلوق في «ورقة جورنال» لأنزل وأعطيه إلى عامل الغاز مع تمنيات أمي بعيد مبارك يعود عليه وعلى أهله بالخير والصحة الطيبة. فهمت وقتها أن العيد فرصة لتلقين ابن العاشرة بعض طقوس ولغة التخاطب مع الغرباء في المواسم الدينية كهذا العيد، عيد الأضحى. مر على هذه اللحظة أكثر من ربع قرن ليطل علينا العيد الكبير لأول مرة في القاهرة وقد صرت زوجاً ووالداً لطفلين. أبدت زوجتي دهشة مختلطة بالرفض عندما طلبت منها إعداد شواية الفحم من أجل إفطار أول أيام العيد. استنكرت عادة تناول إفطار اللحوم المشوية وأصرت على أنها لا تريد تلقين أطفالها طقوساً مضرة بصحتهم. ذكرتها بأيامنا في بيونس آيرس عندما كانت رائحة الشواء تفوح في شوارع الحي الفاخر صباح كثير من الأيام، وهي الأيام التي يوجد فيها عمال من الريف الأرجنتيني في الحي للعمل في مشاريع البناء ورصف الطرق. هؤلاء كانوا يتناولون اللحم المشوي على امتداد وجباتهم الغذائية وأهمها الإفطار.
من رحلات الذاكرة قبل ثمانين وسبعين سنة، من رحلة الشواء والعيد والأم الزاهدة في متع الدنيا الزائلة إلى عالم يهيمن على أهم مقدراته قطب عظيم ينحدر، وإلى أحداث زمن تكشف حجم مأساته صور لرئيس هذا القطب المنحدر قوة مع رئيس قطب صاعد بتؤدة ولكن بحزم، صور ناطقة تنقل عن الرئيسين حديثاً متبادلاً في زمن ملتهب بالتوتر والقلق والخشية من أن يلجأ أضعف الرئيسين عقلاً وخبرة إلى حرب نووية لا ترحم ولا تستثني.
أرى من كوة في الذاكرة رئيساً هو الضيف لا يحمل هم الدمار والخراب ويتحدث طوال لقاء القمة عن إعجابه بتماثيل القصر الإمبراطوري في بكين وبالزهريات البديعة في رسمها والصادقة في قدمها وحقيقتها وعن دهانات الجدران وعن الإبداع في اختيار ألوانها وحسن اختلاطها، ورئيس آخر هو المضيف يتأمل متفاخراً ومتباهياً بأسبقية بلاده في احتلال مكان مرموق في التاريخ ويتأمل ساخراً في أحوال الضيف الذي يستحق عن جدارة في حكم السياسة والقانون والتاريخ صفة «البطة العرجاء».
قضيت ليلة العيد أفكر في حال عالم يعيش أياماً يسود فيها ارتباك من يتوقع مستقبلاً مختلفاً كل الاختلاف عن حاضره. لا تدرّج ولا قدرة واعية وقادرة على التدبر وأدوات وآليات مبتكرة هي من صنع عقل من لا عقل له. فكرت في زمن سوف يعيش فيه أولادي وأحفادهم، هؤلاء بذلت الكثير من الطاقة ومن سنوات الجهد ومن العلم من أجل تدريبهم على حسن استخدام ذكائهم لأكتشف في تلك الليلة، ليلة العيد، أن في المستقبل سيأتي من يستبدل ذكاء أولادي وأحفادي بذكاء اصطناعي من صنع أجهزة وعقول إلكترونية. يزعمون أنهم سوف يفلحون في حقن أدوات وآليات هذا الذكاء الاصطناعي بإكسير الحب، وهو أيضاً مصطنع خصيصاً لأبناء وبنات جيل المستقبل.
اكتشفت أيضاً في تلك الليلة، أو قل توصلت إلى أن إسرائيل تستعد لأن تحل محل إيران وأمريكا فتنشئ وتدرب وتطلق ميليشيا لكل بلد في الشرق الأوسط. وبواسطة هذه الميليشيات تضمن عدم استقرار سياسي متواصل في كل دول المنطقة، تماماً، أو تقريباً، مثلما فعلت القاعدة أو داعش في العراق وسوريا ومثلما حدث في ليبيا ويحدث في السودان. تضمن إسرائيل على هذا النحو ألا تقوم دولة في المنطقة تعيق ما تنوي عمله، فعل لا يختلف كثيراً عما فعلته في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، سلاسل من حلقات الدمار والخراب. الوضع الذي صار يطلق عليه في صحف غربية تعبير «عمليات تحديث الهمجية»، وبسببه صارت إسرائيل في نظر علماء يهود منهم جيفري ساكس وجون ميرشهايمر، أمّة من القتلة.
أي ليلة عيد كئيبة هذه الليلة؟! وما أحلى ليلة عيد عشتها مع الذاكرة!

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة