لماذا لا تكفي الشهادات لصناعة النجاح؟ قد يجد البعض أن هذا السؤال غير دقيق، أو يراه مبالغة ليست في محلها، ولكننا في حياة محتدمة بالتحديات ومواجهة الصعوبات، خاصة في مضمار العمل والوظيفة، ندرك جميعنا أنها ليست كافية، وأن هناك متطلبات أخرى مهمة أيضاً.
لا أدعو هنا للتوقف عن التعليم، ولا لتجنب مواصلة السعي نحو المعرفة، أو العزوف عن الحصول على أعلى الشهادات، بل على العكس تماماً؛ فالشهادة تظل ذات مكانة أهم في رحلة السعي نحو الوظيفة وتحقيق الطموحات، ولكنني أعتقد أن لدينا مشكلة في فهم دور الشهادة العلمية؛ حيث يراها البعض نهاية مضمار السعي، وتتويجاً وإعلاناً للدخول إلى سوق العمل، وبالتالي يتوقع أن تفتح له الأبواب على مصراعيها.
ويتمثل سوء فهم دور الشهادة الجامعية في كونها أداة وليست ضمانة وحيدة للنجاح؛ فالشهادة مهمة، ولكنها ليست المطلب الوحيد في مسيرتنا نحو سوق العمل. على سبيل المثال، قد نجد أحدهم أنهى المرحلة الجامعية بامتياز، لكنه تعثر في الدخول إلى سوق العمل؛ لأنه افتقد إلى الذكاء العاطفي والاجتماعي، أو لم يمتلك أي مهارة حياتية تدفع به نحو التميز عن أقرانه. جميعنا نعرف أن التعليم يركز على الحفظ والتحليل واجتياز الاختبارات، ونعلم أن النجاح في الحياة بصفة عامة له متطلبات يجب الإلمام بها، كمهارات المرونة في التعامل مع الصعوبات والعقبات، والتعود على إيجاد الحلول، والمحاولة والبحث المستمر عنها، بالإضافة إلى مهارة الإقناع، وبناء العلاقات، وضبط النفس، ونحوها من المهارات التي تُعتبر مهمة في الحياة بصفة عامة، وفي حياتنا العملية تحديداً، ويُعدُّ غيابها أو الافتقار إليها نقصاً واضحاً وغير مبرر.
لقد رسخ في الأذهان مطولاً أن النجاح الحقيقي يتمثل في الحصول على الشهادات العالية، ومع أنه فعلاً نجاح يُحسب لمن أنجزه، إلا أنه في هذا العصر تحديداً يبقى نجاحاً محدوداً وغير مكتمل إذا لم يكن مقترناً بالمزيد من المهارات.
كل إنسان لديه شغف وموهبة فطرية، علم بها من علم وجهلها من جهل، ودور كل أب وأم هو اكتشاف ذلك الشغف وتلك الموهبة عند طفلهما، ثم البناء عليها ودعمها وتقويتها.
مرة أخرى، المناهج التعليمية تمنحك المعرفة النظرية، وكأنها مادة صلبة، لكن سوق العمل والحياة بصفة عامة يحتاجان إلى المهارات الناعمة. التعليم بمثابة المفتاح للأبواب، وعليك أنت أن تفتح تلك الأبواب بنفسك وتعبرها. التعليم هو الأرضية الصلبة التي يمكنك أن تشيد عليها مستقبلك، فإذا أنجزت تلك الأرضية الصلبة، يمكنك أن تشيد عليها مستقبلك.
