الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

شعر بولندي مُصَفّى

3 يونيو 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 3 يونيو 00:08 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
أوّل ما توقفت عنده في أنطولوجيا الشعر البولندي في خمسة قرون لهاتف جنابي قصيدة للشاعر تسيبريان كميل نورفيد (1821- 1883) يمجّد فيها المجاهد عبدالقادر الجزائري، ويخاطبه قائلاً: «لهذا تقبّل من بعيد يا أميرُ ذا التمجيد ولتتلألأ دموع اليتامى إليك». ومع أن الشاعر نورفيد ينحدر من عائلة يهودية، إلّا أنه يخاطب المجاهد الجزائري بقوله: «.. إذن فلتكن خيمتك أوسع من غابة أرز داود»، وله أيضاً قصيدة جميلة أخرى عن القلم، يقول: «أيها القلم أنت لي شراعُ جناحٍ ملائكيّ، وعليك أن تكون قلماً حبراً لا يخالطه ماء».
الشاعرة البولندية أنّا شفير شتشينسكا (1909-1984) نقرأ لها هذه القصيدة الإنسانية حول رجل عجوز ينكّل به جندي ألماني، تقول: «رجل عجوز يغادر بيته حاملاً كتباً، يتقدم منه جندي ألماني، يأخذ الكتب ويقذفها إلى الوحل، يحاول العجوز استرجاعها، يصفعه الجندي، فيسقط، يركله الجندي ويبتعد، الرجل العجوز المرمي في الوحل والدم يتحسّس الكتب تحته».
الشاعر بوهدان زادورا (1945) يخاطب أمريكا بهذه القصيدة القصيرة: «طلباً واحداً يا أمريكا.. هل بإمكانك أن تحققي أساطيرك حيث أنت؟». أما الشاعر آدم ليزاكوفسكي (1956)، فيكتب قصيدة بعنوان «تاريخ كاليفورنيا» يستعرض فيها كيف أُبيد الهنود الحمر، سكان أمريكا الأصليون، على يد موجات من المستعمرين جاءوا على متن سفن وأشرعة ملوّنة بالصلبان «متزنرين بمسدسات وبنادقهم على أكتافهم».
موضوع الحب لا يغيب عن الشعر البولندي، ومن أجمل ما قرأت هنا، قصيدة للشاعر يزي يارنيفيتش (1958) يقول فيها: «إذا الحصان تعثر خلف العربة، سأشتري لكِ النجوم في الظلام خلف النافذة، وإذا النجوم سقطت منهكة، سأعطيكِ من غبارها خاتماً من الفضة، وإذا الخاتم غطّاه الصدأ، سيبقى معنا العرق والدم والدموع».
حب آخر يتحدث عنه الشاعر يوزف باران (1947)، ويقول: «كأنك خلية نحل محشوة بأقراص العسل، عبّاد شمس في شهر أيار بعد الشتاء».
ثم إليك هذه «القصيدة - القصة»، للشاعر كشيشتوف كارساك (1937) عن معطفه. يقول: «في المقهى علّقت على كلّاب الشماعة جثة معطفي، ثم وأنا آكل نظرت إلى جلده المنسوج بالرّيح متدلياً بطريقة مشوّشة، فلا يذكرني بقوام جسدي في أي شيء. خرقة وسخة رمادية ذات كتفين مدوّرتين وكُمّين متهتكين، وفكّرت.. هذا ليس معطفاً، هذا أنا هنا، على الشمّاعة في هذا المقهى، بينما المعطف، هذا المعطف الحقيقي، يتناول الغداء بدلاً منك».
شعر بولندي، أخوي، إنساني، خفيف كفنجان قهوة، فيه طبيعة، وسفر، وتأمل، وبوح، وكتمان، مثله مثل أي شعر آخر غير مفتعل أو متزين ببودرة أو مكياج. شعر على السليقة، يشبهك، ويشبهني في لحظة إنسانية مكثفة بالمعرفة والصداقة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة