تعاقبت الإمبراطوريات التقليدية في الهيمنة على المعمور الأرضي، قام بعضها على مهلٍ وعمّر قروناً كالإمبراطورية الرومانية، أو الخلافة العباسية. ونهض بعضها الآخر سريعاً واضمحل فجأة، حيث قاده غزاةٌ وفاتحون مروا كالشهاب الخاطف كالإسكندر الأكبر، وتيمور لنك، وجنكيز خان، وفي الحالين لم ينشأ نظام راسخ للعلاقات الدولية. لكن، ومع مطلع القرن السادس عشر، أخذ مفهوم النظام العالمي يتشكل تحت قيادة الغرب الذي فرض سيطرته على الكرة الأرضية عبر حركة الكشوفات الجغرافية، والسيطرة على أعالي البحار والمحيطات والتحكم في المضايق وحركة التجارة. ولأربعة قرون على الأقل استمرت هيمنة الغرب العالمية، ولم تشهد سوى تحولات داخلية، أي انتقال مركز الهيمنة من دولة غربية إلى أخرى.
في هذا السياق توالت الدول المحفزة على قيادة المركزية الغربية: أولى تلك الدول هي هولندا التي انسلخت من سيطرة آل هابسبورغ النمساوية في أواخر القرن السادس عشر، لتقود حركة التجارة العالمية على قاعدة النزعة المركنتيلية، الأكثر تطوراً بالقياس إلى البنية الراكدة للإقطاع طوال القرون الوسطى، فكانت أول دولة إقليمية حديثة تبرر وجودها علي أساس اقتصادي وليس على أساس ديني أو عسكري، ما أسهم في ترسيخ مفهوم الدولة القومية الحديثة. وثانيها فرنسا التي لعبت دور الأمة المحفزة للتاريخ طوال القرن الثامن عشر بإلهام مثل التنوير العليا كالحرية والإخاء والمساواة، وبقوة دفع الثورة البورجوازية التي حاولت فرنسا من خلالها أن تغير الآخرين، فدخلت تحت قيادة نابليون في صراع مع أغلب الملكيات الأوروبية المحافظة، حول حق تفسير التاريخ، استمر لثلث القرن، انتهى بهزيمة الرجل ونفيه وتوقيع معاهدة واترلو 1815م، التي أنهت دورة الهيمنة الفرنسية. وثالثتها بريطانيا العظمى التي ارتادت آفاق الثورة الصناعية الأولى، ولعبت دور اللاعب المحوري في السياسة الدولية طوال القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، وبالذات في العصر الفيكتوري (1837 1901) الذي شهد هيمنة شبه كاملة، كانت بريطانيا خلالها هي سيدة البحار والمحيطات، أتاحت لها سطوتها البحرية والاقتصادية تأثيراً حاسماً على القارة الأوروبية من خلال استراتيجيتي: التحالفات المرنة، والعزلة العظيمة، ومكنتها من بسط سيطرتها الاستعمارية على شرق العالم وجنوبه، قبل أن تبدأ مسيرة تراجعها بنهاية الحرب العالمية الأولى، وتتسارع بنهاية الحرب الثانية، خصوصاً بعد تزايد الضغوط عليها من قبل حركات التحرر القومي التي حرمتها من جُلّ مستعمراتها، ولم تترك لها سوى جسد ضعيف من جغرافيا ربع مليونية قوامها من الجزر البحرية، لم تعد تصلح سوى لدولة متوسطة وليس لقطب عالمي.
أما الرابعة فهي الولايات المتحدة، التي لعبت دور الدولة المحفزة للتاريخ منذ مطلع القرن العشرين استناداً إلى مبادئ الرئيس وودرو ويلسون الأربعة عشر عن حق الشعوب المستعمرة في تقرير المصير، والتي ألهمت حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار الأوروبي في مناطق كثيرة من العالم. ثم ارتقت إلى موقع القطب العالمي أعقاب الحرب الثانية، استناداً إلى مقومات إيجابية عدة: جغرافية سياسية، وقانونية، وثقافية، واقتصادية، وفرت له الكثير من مصادر الجاذبية والإلهام وجعلت دورها مقبولاً من الآخرين. وبنهاية الحرب الباردة تبدت قطباً عالمياً وحيداً، تتوافر له جُلّ أشكال القوة، الصلدة والناعمة، ما أغراها باستخدام القوة دونما ضوابط أو قيود، كما جرى ضد أفغانستان والعراق وإيران، على نحو أرهقها ونال من سمعتها.
اليوم، أخذت الهيمنة الأمريكية في التآكل، ويكفي للتدليل على ذلك المؤشر الاقتصادي، إذ تراجع ناتجها القومي قياساً إلى الناتج العالمي من 40% منتصف القرن الماضي إلى 20% منتصف العقد الثالث من القرن الحالي. وعلى عكس بريطانيا التي قبلت بغروب شمس الإمبراطورية منتصف القرن الماضي، لأن وريثها الأمريكي كان من صلبها الحضاري: الديني والعرقي والثقافي، تدرك الولايات المتحدة أن وريثها ليس سوى الصين، قطب الرحى في عالم الشرق الآسيوي. والخوف هنا أن يغطى كبرياء القوة على حكمة التاريخ، وأن تنزلق أمريكا إلى سلسلة من الحروب، كأسد جريح، لا يتوانى عن إحراق غابة واسعة، للحفاظ على سطوة غاربة.
