في صباح أحد أيام عيد الأضحى المبارك، توجهت إلى قسم اللحوم في أحد الأسواق العامة لشراء عدة كيلوغرامات من اللحم، لإعداد وجبة غداء لضيوف العيد في اليوم التالي. كنت أتوقع ازدحاماً كبيراً بحكم المناسبة، لكن ما شاهدته هناك كان أمراً مختلفاً عن مجرد ضغط العمل.
خلال تنقلي بين عدد من محال الجزارة، لاحظت أن بعض العاملين لا يرتدون الزي الرسمي المخصص للعمل، كما أن بعضهم كان يتعامل مع اللحوم دون استخدام القفازات. ورغم استغرابي من ذلك، فإن المشهد الأكثر غرابة كان في أحد المحال المزدحمة، حيث سألت شخصاً يقف خلف طاولة التقطيع عن أنواع اللحوم المتوفرة لديهم، ففاجأني بأنه ليس عاملاً في المحل، وإنما زبون.
وعندما سألته عن سبب وجوده داخل منطقة العمل، أجاب بأنه يساعد العاملين على إنهاء تجهيز الذبيحة التي اشتراها. ولم يكن وحده، بل كان معه شخصان آخران يشاركان في تقطيع اللحم وتعبئته داخل الأكياس البلاستيكية. العاملون في المحل كانوا يرتدون الزي الرسمي، أما هؤلاء فكانوا بملابسهم العادية ومن دون قفازات أو أي احتياطات صحية ظاهرة.
قد يرى البعض أن الأمر لا يستحق كل هذا الاهتمام، وأن هؤلاء الأشخاص يحاولون فقط تسريع العمل في يوم يشهد إقبالاً استثنائياً. لكن القضية هنا لا تتعلق بالنوايا الحسنة، بل بسلامة الغذاء وصحة المستهلكين. فاللحوم ليست سلعة عادية، والتعامل معها يخضع لاشتراطات صحية دقيقة وضعتها الجهات المختصة لحماية الناس.
وما يثير الاستغراب أكثر أن هذه المشاهد تحدث في دولة تعد من بين الأفضل عالمياً في تطبيق معايير سلامة الغذاء والرقابة الصحية. لذلك فإن المشكلة لا تكمن في الأنظمة أو التشريعات، بل في بعض الممارسات الفردية التي قد تظهر عند اشتداد الضغط أو ضعف الالتزام المهني.
ومن وجهة نظري، فإن السماح لأي زبون بالدخول إلى منطقة تجهيز اللحوم والمشاركة في التقطيع أو التعبئة أمر ينبغي ألا يحدث. فالعامل المختص يخضع لضوابط وفحوص صحية وتدريب مهني، بينما لا يمكن ضمان ذلك لأي شخص آخر.
ما شاهدته لا يمثل القاعدة، بل الاستثناء، لكنه يذكرنا بأن الحفاظ على الإنجازات لا يكون بوضع الأنظمة فقط، بل بالالتزام بها في كل الظروف.
فعندما يتعلق الأمر بصحة الناس، لا يجوز أن يتحول الزبون إلى جزار، مهما كانت دوافعه نبيلة.
