الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

اليابان.. «الاستعداد اليوم» يبدّد القلق في المستقبل

3 يونيو 2026 12:04 مساء | آخر تحديث: 3 يونيو 12:35 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
يخلّف الوضع الراهن، الذي باتت فيه حركة التجارة عبر مضيق هرمز شبه معطّلة بالكامل، آثاراً خطرة على استقرار إمدادات الطاقة واستدامة الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية في الدول الآسيوية، بما فيها اليابان. ورغم أنّ الأزمة الحالية لم تكن متوقعة، فإنّ أحد أبرز الدروس المستفادة منها يتمثّل في ضرورة العمل المستمر، حتى في أوقات عادية، على تعزيز مرونة سلاسل إمداد السلع الحيوية، وفي مقدمتها الطاقة. وكما يقول المثل الياباني: «الاستعداد اليوم يبدّد القلق في المستقبل»، فقد تمكنت اليابان من التعامل مع النقص عبر السحب من احتياطياتها النفطية التي تكفي لنحو ثمانية أشهر من الاستهلاك المحلي، علماً أن جزءاً من النفط الجاري الإفراج عنه يأتي من المخزون النفطي الخام المشترك مع الإمارات العربية المتحدة.
ومن ناحية تأمين سلاسل الإمداد، فإن تعزيز قدرة الدول الآسيوية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد الياباني على الصمود يكتسب أهمية مماثلة. وفي 15 إبريل،   أعلنت اليابان إطلاق مبادرة «الشراكة الآسيوية لتعزيز مرونة إمدادات الطاقة والموارد» (POWERR Asia)حيث إنها تقدم تعاوناً مالياً وإجراءات داعمة بقيمة نحو 10 مليارات دولار، للدول الآسيوية من أجل تعزيز مرونة سلاسل إمداد الطاقة والمواد الحيوية. كما تهدف هذه المبادرة، إلى التعاون مع الإمارات العربية المتحدة في مجال ترتيب تخزين النفط الخام المشترك.
وتندرج هذه الجهود ضمن رؤية «منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة (FOIP)»، وهي رؤية للنظام الدولي تعمل اليابان على الترويج لها منذ عام 2016. وترتكز المبادئ الأساسية لهذه الرؤية على الحرية، والانفتاح، والتنوع، والشمولية، وسيادة القانون.. وفي الثاني من مايو، أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية  ساناي تاكاييتشي،   عن الرؤية المحدّثة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة (The Updated Free and Open Indo-Pacific) في خطابها عن السياسة الخارجية والذي يهدف إلى مواءمة الرؤية مع التحولات التي شهدتها الأوضاع الدولية خلال العقد الماضي منذ إطلاقها لأول مرة. وأعربت  تاكاييتشي عن عزم اليابان على تعزيز جهودها الذاتية وتعاونها مع الدول الشريكة في ثلاثة مجالات ذات أولوية، وهي مجالات تكتسب أهمية لأي دولة تسعى إلى تحقيق أمنها وازدهارها.
ويتمثل المجال الأول في«بناء بنية تحتية اقتصادية تناسب عصر الذكاء الاصطناعي والبيانات». ويشمل ذلك تحديداً تعزيز سلاسل إمداد المواد الحيوية، وحماية وتطوير البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبيانات، وإرساء منظومات ابتكار«آمنة وموثوقة وجديرة بالثقة». أما المجال الثاني فهو التشارك في خلق فرص النمو الاقتصادي من خلال التعاون بين القطاعين العام والخاص ومشاركة المسؤولية. ويهدف هذا التوجه إلى مواصلة تعزيز التجارة والاستثمار، بالتوازي مع المشاركة في إيجاد أسواق أعمال جديدة عبر معالجة التحديات التي تواجه دول الجنوب العالمي بالاستفادة من الخبرات والتقنيات اليابانية. وفي هذا الإطار، تتماشى الدبلوماسية الاقتصادية الإماراتية، التي تستهدف بناء شبكة اقتصادية جديدة تربط آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا عبر اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA)، مع مفهوم FOIP الذي يركز على الترابط والصمود. ومن المتوقع أن يسهم اختتام مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية بين اليابان والإمارات في مارس الماضي في توسيع آفاق التعاون الثنائي وما بعده.
أما المجال الثالث فيتمثل في«تعزيز القدرات في مجالي إنفاذ القانون والأمن». ويشمل ذلك بناء أطر متعددة الطبقات للتعاون الأمني، وتعزيز قدرات إنفاذ القانون والدفاع، والتعاون لتقوية الردع. ويكتسب الأمن البحري، على وجه الخصوص، أهمية بالغة من زاوية ضمان أمن الممرات البحرية والحفاظ على الحركة اللوجستية الدولية.
وتشكّل المجالات الثلاثة ذات الأولوية ضمن الرؤية «المحدّثة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة» عناصر أساسية للدول الساعية إلى حماية أمنها وأمنها الاقتصادي بما يضمن تحقيق الازدهار الاقتصادي في ظل الظروف الدولية الراهنة. ومن المنتظر أن يتحقق شعار الرؤية المحدّثة:«لنصبح أكثر صموداً وازدهاراً معاً» عبر تعاون عملي وملموس بين اليابان وشركائها.
وكما يتضح من إعلان رئيس الوزراء الياباني الأسبق شينزو آبي لأول مرة عن رؤية FOIP في كينيا قبل عقد من الزمن، فإن المبادرة لا تقتصر على مفهوم جغرافي محدد، بل تنفتح على المجتمع الدولي بأسره. وفي هذا السياق، تحتل الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب بقية دول الخليج، موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية بوصفها حلقة وصل بين منطقتي الهند والمحيط الهادئ وإفريقيا، وهو ما ينسجم بصورة مباشرة مع تركيز الرؤية على الترابط.
وعلى صعيد العلاقات اليابانية-الإماراتية تحديداً، توسّع التعاون بين البلدين منذ عام 2020، حين ارتقت العلاقات إلى مستوى «مبادرة الشراكة الاستراتيجية الشاملة»(CSPI)، ليتجاوز قطاع الطاقة التقليدي ويشمل مجالات واسعة مثل الذكاء الاصطناعي، والفضاء، والشركات الناشئة، والدفاع. وتتقاطع مجالات التعاون بين اليابان والإمارات بدرجة كبيرة مع أولويات الرؤية المحدّثة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة، بما يعكس توجه الإمارات نفسها نحو تعزيز الصمود والاعتماد على الذات. ومن المؤمل أن تُشكّل أزمة مضيق هرمز الحالية نقطة تحوّل لليابان والإمارات لتعميق التعاون المتبادل، بما يُعزز ليس فقط قدرة كلٍّ منهما على الصمود واتخاذ القرارات، بل أيضاً قدرة الدول الآسيوية عموماً. وأعتقد أن هذه الجهود المتواصلة في الأوقات العادية ستُثبت بلا شك جدواها في أوقات الأزمات الوطنية.
*سفير فوق العادة ومفوض لليابان لدى دولة الإمارات العربية المتحدة

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة