نعرّف المنهج بأنه: معرفةٌ تحوّلت إلى طريقة في التفكير لفهم الوقائع والظواهر. والمنهج البنيوي واحدٌ من أهم مناهج معرفة الواقع الاجتماعي والتاريخي، لأنه لا يكتفي بالنظر إلى الظواهر في سطحها المباشر، بل يبحث عن العلاقات العميقة التي تنتظمها وتمنحها معناها ووظيفتها.
والبنية التي أتحدث عنها في هذه المقالة هي واقع المجتمع في تشكّلاته المتعددة، فهي جملة عناصر مترابطة ومتشابكة وذات وظائف محددة، تتكوّن عبر التاريخ وتتحوّل داخله. فالأسرة بنية، والقبيلة بنية، والدولة بنية، والمجتمع بنية، والقيم بنية، والثقافة بنية، والوعي نفسه يتشكل داخل بنى تاريخية واجتماعية محددة.
والسؤال المنهجي هنا هو: هل تستطيع الإرادة أن تغيّر البنية بالقوة، ومتى شاءت؟
دعوني أحدد أولاً معنى البنية من حيث هي ثمرة تطور تاريخي. فالبنية، ولا سيما البنية الذهنية والثقافية والاجتماعية، ليست معطى جامداً، ولا قدراً نهائياً مغلقاً، بل هي بنية مرحلة تاريخية بعينها. والسيرورة التاريخية، بما تحمله من تغيرات وتناقضات وتراكمات، تخلق في داخل البنية ذاتها عوامل ولادة بنى جديدة.
ولهذا فالبنية ليست مجرد شكل خارجي للمجتمع، بل هي شبكة معقدة من التصورات والقيم والعادات والموروثات والأنماط النفسية والاجتماعية، ومن العلاقات الاقتصادية والسياسية، التي تنعكس كلها في أشكال الوعي والسلوك.
ومن هنا لا يمكن تفكيك البنية بقرار سياسي عابر، أو بشعار أيديولوجي، أو بإعلان حداثي فوقي. فالمجتمعات قد تتبنى لغة حديثة ومؤسسات حديثة وأشكالاً تنظيمية حديثة، لكنها لا تستطيع تحطيم البنى القديمة بفعل إرادي صرف، ولا بمجرد الرغبة في ذلك.
ومن هنا أخفقت الأيديولوجيات الطوباوية العربية التي ظنت أن التاريخ يمكن اختصاره في خطاب تعبوي، أو أن المجتمع يمكن نقله من بنية إلى أخرى بمجرد رفع الشعارات الكبرى. لقد أخفقت لأنها لم تدرك عمق البنى التاريخية التي تتحكم في وعي الجماعات وسلوكها. لقد راهنت على الإرادة والشعار، لكنها أهملت البنية والتاريخ.
لقد هزم التاريخ الواقعي التاريخَ المتخيَّل عند ميشال عفلق وحسن البنا وخالد بكداش وأنطون سعادة، ذلك التاريخ الذي ظنوا أنهم قادرون على صناعته بإرادتهم وحدها، متجاهلين أن الإرادة، حين تنفصل عن شروط التاريخ الواقعية، تتحول إلى وهم أيديولوجي.
غير أن هذا لا يعني أننا أمام حتمية بنيوية تلغي دور الإنسان. فالإنسان ليس أسيراً أبدياً للبنى التي نشأ فيها، لأن التحرر يبدأ من وعي هذه البنى، وكشف آليات عملها، وإدراك التناقضات التي تنشأ في داخلها. كما يبدأ التحرر من اكتشاف البنية الجديدة التي تتكوّن في رحم البنية القديمة بفعل التطور التاريخي.
فالذات لا تتحرر بالانفصال الوهمي عن التاريخ، وإنما بالانخراط الواعي فيه. ومن هنا تحتل الذات الواعية مكانة مركزية في الكشف عن الجديد التاريخي، وفي نقل البنية الجديدة من حيّز الإمكان إلى حيّز الواقع. عندئذ لا تكون الإرادة قوة عمياء، بل تصبح قوة تاريخية واعية، تساعد البنية الجديدة على الولادة، كأنها قابلة شرعية للتاريخ الحامل بإمكاناته.
والإرادة الواعية بفعلها لا تنفصل عن العالم، بل تتشكل داخله، داخل العالم الاجتماعي والتاريخي. لكنها، في الوقت نفسه، قادرة على مساءلة هذا العالم، ومقاومته، وتجاوزه، متى أدركت تناقضاته وشروط تحوله.
وبناءً على ما سبق، لا يمكن الموافقة على التصور البنيوي المغلق الذي يجعل الإرادة مجرد نتاج للبنية وأسيرة لها. كما نرفض، من جهة أخرى، التصور الإرادوي الساذج الذي يعتقد أن التاريخ يُصنع بمجرد النوايا أو الشعارات أو القرارات.
فالبنية تاريخية في نشأتها، والتاريخ هو أفق تحولها، أما الذات الواعية فهي القوة التي تستطيع أن تكشف البنية، وأن تدخل في صراع معها، تأسيساً على اكتشاف البنية الوليدة التي يشير إليها منطق التاريخ.
لكن المشكلة تظهر حين تتصارع إرادتان: إرادة تدافع عن بنية فقدت شروط بقائها الموضوعية، لكنها تملك مصلحة في استمرارها، وإرادة أخرى وعت، على نحو موضوعي، ضرورة الانتقال إلى البنية الجديدة التي تشق طريقها إلى الحياة.
وفي هذه الحال يعيش التاريخ مساراً فاجعاً. فالبنية التي توشك على الانهيار تنتج إرادة عنيفة جداً، لأن مهمتها تصبح مناقضة لمنطق التغير البنيوي والتاريخي. فإذا انتصرت هذه الإرادة على إرادة بناء العالم الجديد، فإنها لا تنتج إلا الركود التاريخي، وهو ركود قد يطول، لكنه لا يستطيع أن يمنع الزوال في النهاية. أما إذا انتصرت الإرادة المطابقة لمنطق التاريخ، فإنها تحقق ولادة البنية الجديدة، وتفتح الطريق أمام أفق تاريخي آخر.
أما إذا كان الانتقال من بنية قديمة إلى بنية جديدة انتقالاً طبيعياً، لا تحكمه إرادات متناقضة ولا صراعات عنفية، فإن التاريخ يحتفل بانتصاره الهادئ، ويبدأ مساره نحو المستقبل المنشود.
