يعكس التنافس على بطولة العالم لكرة القدم، والتي تنطلق دورتها الثالثة والعشرون غداً في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، واقع التنافس الحضاري، وأوضاع النظام العالمي، بين دول لا تقدم نفسها فقط بأقدام لاعبيها، بل بكل منجزاتها الاقتصادية والعلمية والثقافية، بداية من أطقمها الطبية التي ترعى اللاعبين، وتسهر على لياقتهم البدنية، وصولاً إلى المديرين الفنيين الذين تخرجوا في أكاديمياتها الرياضية.. إلخ. وهكذا يدور على المستطيل الأخضر صراع حضاري ولكن على نحو سلمي، مُبهج، تشعر معه جماهير الفريق المنتصر بالزهو الوطني، فتتجدد لديها مشاعر الانتماء، وربما تقل حدة التوترات السياسية والعنف الأهلي، حال كانت تعاني انقساماً طائفياً أو عرقياً.
فعلى صعيد التنظيم حازت القارتان الأكثر تقدماً على الصعيد الكروي، نصيب الأسد، في استضافة كأس العالم: القارة الأولى هي أوروبا، مركز اللعبة، ومصدر فكرة المونديال. وليس هذا بغريب على القارة التي لعبت لزمن طويل دور المركز الحضاري للعالم، ففيها نمت أكثر الثقافات حداثة، وتصارعت جل التيارات الفلسفية والتوجهات الفكرية التي لا تزال تحكم عالمنا. وفي موازاة ذلك كان طبيعياً أن تلعب أوروبا دور المركز الرياضي، خصوصاً في كرة القدم، فعلى ملاعبها يتنافس أفضل لاعبي العالم وأبرز نجومه، ويتصارع المدربون والمخططون الموصوفون بالعبقرية، وترتطم سواعد مدربي اللياقة والأطباء المساعدين. ومن عواصمها الكبرى تنقل لنا الشاشات الفضية أبرز الأحداث الكروية، خصوصاً دوري الأبطال الأوروبي، وكأس الأمم الأوروبية، والدوريات الأربع الكبرى التي تتابعها جماهير العالم بشغف يفوق بطولاتها المحلية.
والقارة الثانية هي أمريكا الجنوبية، نقطة انطلاق المونديال، القطب الذي يتقاسم المركزية الكروية مع أوروبا، بديلاً عن أمريكا الشمالية التي تتقاسم مع أوروبا دور القطب السياسي والاستراتيجي في النظام العالمي، والتي قادت معها مسيرة العولمة، فدول أمريكا الجنوبية تمثل منجماً كروياً، يخرج منه القسط الوافر من اللاعبين والمدربين الموصوفين بالعالمية، القادرين على ممارسة الإبداع الكروي، ولذا فازت دولها الثلاث: البرازيل والأرجنتين وأوروغواي بعشر بطولات كأس عالم من بين 22 بطولة، مقابل 12 بطولة فازت بها خمس دول أوروبية وهي: ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وإنجلترا. كما قامت معظم دولها بتنظيم المونديال، خصوصا أوروغواي التي استضافت أول بطولة عام 1930 وفازت بها، ثم البرازيل، وشيلي والأرجنتين، أما المكسيك فنالت حظ تنظيم البطولة مرتين عامي 1970,1986م. ومن حول هذا المركز الأورو أمريكي يمتد محيط يشبه قوس قزح يتوزع على القارتين الكبريين مساحة وعدداً: آسيا وإفريقيا، يلعب أدواراً مكملة، إذ لا تتنافس دوله على البطولة إلا من بعيد، ولم تنظمها إلا مرات محدودة. فآسيا، رغم احتوائها على نصف سكان المعمورة، وانطوائها على دول متقدمة كاليابان أو ناهضة مثل كوريا الجنوبية والصين، لم تفز بالبطولة قط، وإن تمكنت من تنظيمها أكثر من مرة، آخرها في قطر الدولة العربية الوحيدة التي حققت هذا السبق. أما إفريقيا السمراء فنظمت البطولة مرة وحيدة (2010)، في دولة جنوب إفريقيا الأكثر غنى بمواردها الطبيعية وتجربتها الإنسانية.
ولا يبدو الفوز بالبطولة هو الأمر الصعب الوحيد على دول المحيط بل كذلك المشاركة فيها، فعدد أعضاء الاتحاد الدولي (فيفا) يزيد على مئتي دولة، يخوضون تصفيات شاقة لاختيار 16 ثم 24 ثم 32 وأخيراً 48 دولة، أغلبها من أوروبا وأمريكا الجنوبية، وأقلها من آسيا وإفريقيا. وهكذا يعكس مدى انتشار شعبية المونديال بين جماهير العالم، مع عجز جل الدول عن الفوز به، خارج محور أوروبا وأمريكا الجنوبية، وعجز أغلبها عن المشاركة فيه، حال العولمة الرأسمالية التي هيمنت لزمن على حركة الكوكب، رغم اقتصار المؤثرين فيها على محور أوروبا وأمريكا الشمالية. وكما احتكرت ثماني دول فقط عدد مرات الفوز بالمونديال الكروي، فثمة دول خمس دائمة العضوية بمجلس الأمن تحتكر القرار السياسي الدولي، فضلاً عن مجموعة الدول السبع، ومن حولها مجموعة العشرين، التي تحتكر القرار الاقتصادي.
ومن زاوية الجماهير يكشف المونديال عن الوجه الأكثر قسوة للنظام الرأسمالي. فحتى عام 2000م كانت شعوب العالم تتابع البطولة مقابل مبالغ زهيدة تدفعها التلفزيونات الرسمية، تعبيراً عن ديمقراطية اللعبة وإنسانيتها. لكن مع تطور التكنولوجيا الرقمية، صار المبدأ الحاكم هو: ادفع تشاهد، وبالطبع مبالغ كبيرة، ما يعكس السيطرة المتوحشة لشبكات الميديا المتحالفة مع الاتحاد الدولي لكرة القدم/ فيفا، والتي توازي سيطرة الشركات متعددة الجنسيات على الاقتصاد العالمي، بالتوافق مع منظمة التجارة العالمية. ففي النظام الاقتصادي تنسكب العوائد الضخمة في جيوب أصحاب الشركات الكبرى على حساب الشعوب الفقيرة، دون قدرة حكوماتها على الاعتراض. أما في حال المونديال، فتنسكب العوائد الضخمة في جيوب أصحاب الشبكات العالمية، ثم القنوات الإقليمية الكبرى، فيما وقع المحيط البشري الواسع أسيراً لعملية تشفير صار معها القليلون يشاهدون المونديال، مقابل حرمان الكثيرين، وهي حال عالمنا اليوم، حيث يثرى القليلون ويحتكرون، فيما يجوع الكثيرون ويمرضون.
