الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الفكر الأمريكي في ذكرى الاستقلال

15 يوليو 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 15 يوليو 00:04 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تشكلت الولايات المتحدة الأمريكية، التي تحتفي هذا الشهر بمرور مائتين وخمسين عاماً على استقلالها في الرابع من يوليو (تموز) 1776، على قاعدة التصالح بين الدين والعقل، حيث يمتزج العلم الذي يحترم التجربة، مع الدين الطبيعي الذي يبحث عن النظام في الكون، مع النزعة الأخلاقية الكامنة في المذهب البيوريتاني/ الطهراني، وإن تباينت المناسيب داخل هذا المزيج عبر الزمن. في البدء، وعند تشكيل المجتمع الاستيطاني على أيدي الرواد والمستكشفين، كانت النزعة التطهرية هي الغالبة مع وجود مؤلهين طبيعيين خفيضي الصوت نوعاً. لكن أعقاب حرب الاستقلال، وإبان وضع الدستور، بدا صوت التأليه الطبيعي واضحاً خصوصاً لدى القادة الفكريين والآباء المؤسسين، فيما استمر التدين المسيحي لدى الجمهور، ربما حتى نهاية الربع الأول من القرن التاسع عشر، حينما أخذت «فلسفة التسامي» تحتل موقع التأليه الطبيعي في الفكر الأمريكي، وهي فلسفة توفق بين التأليه الطبيعي والتدين المسيحي، وترفض العقيدة الكالفنية التقليدية التي تقيد حرية الخلاص بالعناية الإلهيــــة ومن ثم تعوق نمو الإرادة الذاتية. وعلى هذا تكاد تكون فلسفة التسامي تعبيراً عن الثقة المتنامية في النموذج الأمريكي أعقاب تحقيق الاستقلال، وفي قدرته على تجاوز النزعة الجبرية الكامنة في العقيدة الكالفنية.
هكذا تأسست أمريكا كمجتمع بروتستانتي، ولمئتي عام كان جميع الأمريكيين تقريباً بروتستانت، قبل أن تنخفض نسبتهم تدريجياً، بفعل الهجرة الكاثوليكية من ألمانيا وأيرلندا ثم من إيطاليا وبولندا. ورغم أن الدين كان أقل أهمية في نيويورك وكارولينا الشمالية والجنوبية، فإنه كان دافعاً لإنشاء مستعمرات أخرى مثل فرجينيا. وفيما استقر الكويكرز والميثوديين (طوائف انجيلية) في بنسلـڤـانيا، فإن الكاثوليكيين أسسوا رأس جسر ساحلي في ميريلاند. وبحلول عام 2000 بات نحو 60% فقط من الأمريكيين بروتستانتيين، غير أن المعتقدات والقيم البروتستانتية، مع اللغة الإنجليزية، استمرت مركزية في ثقافة الأمريكيين، أي في تشكيل المجتمع وفي تغذية نمط الحياة الأمريكي، بل وفي تحديد ماذا يعني أن يكون الشخص أمريكياً.
وعلى النقيض من الثورة الفرنسية 1789 لم يكن للثورة الأمريكية (1775-1783) ضد بريطانيا أي بُعدٍ مُعادٍ للدين، حيث أكد رؤساء الجمهورية الأربعة: جورج واشنطن (1732-1799)، جون آدمـــز (1735-1826)، تومــــاس جيفرسون (1743 ـ 1826)، جيمس ماديسـون، (1751 ـ 1836)، على أن ثورتهم مجرد نضال علماني وطني ضد إحدى القوى الإمبريالية. ورغم أن جون آدمز، الرئيس الثاني للولايات المتحدة، ومؤسس أكاديمية الفنون والعلوم الأمريكية على غرار أكاديمية العلوم في باريس، كان معجباً بالميل العلمي التنويري للموسوعة الفرنسية، وبفكرتي الطبيعة البشرية الحرة، وقابلية الإنسان للكمال، اللتين أكدهما جان جاك روسو، فإنه لم يُبدِ أي إعجاب بالنزعة الشكية الكامنة في التنوير الفرنسي، بل إنه عبّر عن غضبه الشديد من جان دالمبير، الشريك الأساسي لدنيس ديدرو في تحرير الموسوعة الفرنسية، لقوله: إنه لو كان موجوداً عندما خلق الله العالم، لكان من الممكن أن يقدم إليه نصيحة جيدة. وفي لحظة متأخرة من حياته، كان آدمز يواسى نفسه بأن التنويريين الشكاك والملحدين في فرنسا لم يكن لهم تأثير في أمريكا. لقد كانت الموسوعة موجودة في المكتبات الرئيسية، وفي المكتبات الخاصة لبعض الآباء المؤسسين، بيد أنه كان نادراً ما يُرجع إليها أو يُستشهد بها. ورغم أن فولتير كان مشهوراً جداً في أمريكا قبل الثورة، فإن تأريخه للويس الرابع عشر، وتشارلز الثاني عشر، كانا الأكثر رواجاً بين مؤلفاته وليست أعماله الجدلية حول الإلوهية والعقلانية. والمؤكد أن الرئيس توماس جيفرسون، كفاعل أساسي في صياغة إعلان الاستقلال، لم يكن شاكاً جذرياً في الحقيقة الإلهية ولم يتبنّ أي رؤية مادية للحياة كالتي تبناها رموز التنوير الفرنسي من كتّاب الموسوعة، حيث كان أغلب نقده موجهاً إلى الكهنوت والحكومات المستبدة باسم الدين، اقتناعاً منه بأن العلم والعقل يستطيعان باطّراد حل معظم المشكلات الاجتماعية.
لا شك في أن جمهور الأمريكيين كانوا أكثر ميلاً للتدين المسيحي وأقل تواصلاً مع ألوهية الطبيعة التي اعتقد فيها الآباء المؤسسون، ولذا طوروا شكلاً من الكالفنية الثورية مكنهم من الانضمام إلى حرب الاستقلال. فحينما كان قادتهم يتحدثون عن الحرية الطبيعية/ التنويرية، كانوا هم يفكرون في حرية أبناء الله التي تحدث عنها القديس بولس، ويستدعون النضال البطولي الذي خاضه آباؤهم ضد الأنجليكانية المستبدة في إنجلترا. بل إن بعضهم اعتقد في أن المسيح، كنتيجة للثورة، سيقيم ملكوت الله في أمريكا، ويكرس اللاهوتيين والفلاسفة الذين يؤمنون بأن النظام والتدبير الموجود في الطبيعة بمثابة دليل على وجود الله المحب للخير، الذي يقدم الحرية وفرص السعادة للبشرية. وهكذا لم ينظر الأمريكيون إلى الدين باعتباره نظاماً قمعياً، بل تصوروه قوة محررة تمكنهم من الاستجابة الإبداعية لتحديات الحداثة ولو عبر تأويل خاص يتسم بالبرغماتية ويركز على الأخلاق المدنية، ويضمن في الوقت نفسه استمرارهم في الإيمان بوجود الله، وتعظيم يسوع المسيح.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة