الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

رثاثة اجتثاث التراث

11 يونيو 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 11 يونيو 00:47 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
قلت للقلم: كيف نسيتَ أن تختم العمود أمس، بأهمّ مسك للختام، ألم تسمع بقولهم: «الأمور بخواتيمها»، الذي لم يُنله العرب أذناً صاغية؟ أوصيتك منذ عقود، بألّا تتحرّش بالأوراق، قبل أن تكون قد ذرعت الفكرة في ذهنك جيئةً وذهاباً، حتى ضاقت بك ذرعاً. وإلّا صار مثلك كمثل من يغادر بيته، فلا يدري كيف يعود إليه. أو كالعازف يبدأ التقسيم في الراست ويختم بالحجاز. أو كقول سعدي الشيرازي: «أخشى ألّا تصل إلى الكعبة أيها الحاج.. فالطريق التي تسلكها تؤدي إلى تركستان». كم قلت لك، دع الفكرة تختمر وتتعتّق في دنّ جمجمتك، وتترسب شوائبها، فتنساب صافيةً، رقراقةً حانيةً، كأنها غانية، في راحتها قطوف دانية، تتمنى كل روح أن تكون في عشقها فانية.
يستخف الناس بالتراث. فئات كثيرة، منها من يرى الميراث الثقافي، موضات تجاوزها الزمن، فيتوهمون أنهم هم الجدد، وأن القدامى كائنات متحفيّة أرشيفية، فبضائعهم منتهية الصلاحية. كأنما روائع الميراث بليت بلى الأطلال، أمّا الخربشات، فهي شموس الخلود.
الاستخفاف بالتراث، قد تكون له علاقة بالجوقة التي رافقت الحركات الحداثوية، وينمّ عن تسطيحية فكرية، تتمثل في عدم إدراك أن بدائع العصور هي المصرف المركزي للإبداع العربي. بالمناسبة سبق أن دعا القلم أنظمة التعليم العربية، إلى تدريس اللغة العربية وآدابها، بطريقة قطار الزمن، أي من زماننا إلى سالف العصور. أيها الأساتذة، لا تستخدموا شواهد النحو القديمة، وتجرّبوها في رؤوس مساكين الإعدادية والثانوية. اختبروا مدرّسي الثانوية في قراءة سطور من نصوص القرون الثالث والرابع والخامس الهجرية، من دون شكل وإعراب.
في الختام، ما نسيه القلم أمس، عليه استحضاره اليوم. بعد اتّضاح صور الأواصر التي يجب أن تربطنا بالميراث، بقي الأهمّ، الذي سيرينا أن التراث ليس صندوقاً فولكلورياً من الصناعات التقليدية. نحن أبناء القرن الحادي والعشرين، تراث أيضاً. نعم، نحن بالمعلوماتية وبالرقمي وبالذكاء الاصطناعي، وإذا تألقت التنمية العربية، فبفيزياء الكمّ، سنكون تراثاً لأحفادنا. السؤال الوجيه، لدى الوجوه التي تأبى أن تشيه، هو: ما هو تراثنا نحن الذي ستسمق به قامات أبناء العرب مستقبلاً، وتشمخ هاماتهم، فخراً بين الأمم، في شمم، في ذرى القمم؟
لزوم ما يلزم: النتيجة العجبيّة: المأساة هي ألّا يجد العرب ما يُهدونه من تراث إلى القادمين، غير ذلك التراث القديم، الذي سعوا إلى اجتثاثه.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة