الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عصبة الأمم المنتصرة

12 يونيو 2026 01:27 صباحًا | آخر تحديث: 12 يونيو 01:27 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في أعقاب الحرب العالمية الأولى وبالتحديد في العاشر من يناير 1920 أُعلن في «مؤتمر باريس للسلام» تأسيس عصبة الأمم بمبادرة من دول الحلفاء المنتصرة في هذه الحرب، وكان الهدف من تأسيس عصبة الأمم تعزيز التعاون الدولي، وتحقيق السلم والأمن، ومنع قيام نزاعات مسلحة جديدة، بيد أن هذه المنظمة تم حلها رسمياً في عام 1946 بعد أن أثبتت عجزها عن منع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتم نقل صلاحياتها إلى منظمة الأمم المتحدة، التي أنشئت هي الأخرى في أعقاب حرب عالمية خلَّفت عشرات الملايين من الضحايا ودماراً هائلاً وكوارث بيئية ما زالت آثارها ماثلة أمام العالم حتى يومنا هذا، ولا سيما الآثار التي تركها استعمال السلاح النووي الذي دشنته الولايات المتحدة في قنبلتي هيروشيما وناغازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.
ومنذ ذلك الوقت سعت الدول الغربية ولاسيما الولايات المتحدة إلى الهيمنة على الأمم المتحدة، التي تحولت من منظمة دولية لحفظ الأمن والاستقرار في العالم إلى أداة في يد الدول الكبرى التي استمدت نفوذها من هيكلية المنظمة التي أتاحت للدول الكبرى احتكار المقاعد الدائمة في مجلس الأمن واستخدام حق النقض (الفيتو) إلى جانب التفاوت الكبير في النفوذ الاقتصادي والسياسي الذي يعيق تحقيق العدالة الدولية للشعوب النامية، ولا سيما في المناطق التي شهدت الحروب والصراعات الداخلية الدموية، كمنطقة الشرق الأوسط وبعض المناطق الساخنة الأخرى.
ومع مرور الوقت تحول السلام الذي حلمت به الكثير من الشعوب إلى مجرد شعار أجوف يتم ترديده في المحافل والمنابر الدولية بينما تباد شعوب بأكملها، وتراق دماء الأبرياء، في مشهد يمثل التناقض الصارخ بين الخطابات الدبلوماسية والكلام المعسول، والواقع الدموي الذي يضع البشرية كلها أمام أزمة ضمير حقيقية، ويفضح حقيقة المعايير المزدوجة التي تدار بها شؤون العالم، من قبل القوى المتنفذة الكبرى التي قد تختلف على أي شيء إلا تقاسم ثروات العالم ونهب خيرات الشعوب.
ولعل ما جرى ويجري في منطقتنا يثبت بشكل جلي أن هناك فارقاً وبوناً شاسعاً بين ما يقال على منابر السياسة الدولية، وبين ما يجري على الأرض، فكما هو معلوم شكَّلت المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي سواء في قطاع غزة أو لبنان، وجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في قطاع غزة، صدمة حقيقية للعالم ودفعت بالملايين للنزول إلى الشوارع في تظاهرات عارمة، وحتى داخل الدول الغربية الحليفة لإسرائيل.
لكن المفاجئ في الأمر أنه رغم هذا الرفض الشعبي الواسع على مستوى العالم لسياسة الاحتلال الإسرائيلي، فإن أكثر من واحد وخمسين دولة زودت إسرائيل بإمدادات عسكرية خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2025، حسب تحقيقات صحفية واستخباراتية في حين أظهرت بيانات التحقيقات أن 91% من هذه الواردات تدفقت بعد تحذير محكمة العدل الدولية من خطر الإبادة الجماعية، وذلك حسب العديد من المصادر والتقارير الاستخباراتية، التي تؤكد أن إسرائيل تعتمد على سلسلة توريد عسكرية عالمية تقودها الولايات المتحدة وتشارك فيها الكثير من الدول الغربية وأن الذخائر المتفجرة، بما في ذلك القنابل والصواريخ والألغام، شكلت النسبة الأكبر من الواردات العسكرية لإسرائيل مما يثير تساؤلات حول فاعلية النظام القانوني الدولي، والقرارات الدولية وعلى رأسها قرارات الأمم المتحدة، ومدى فاعليتها .
واللافت أنه حتى بعد إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت في 21 نوفمبر 2024، فإن إسرائيل لم تتوقف يوماً واحداً عن استهداف المدنيين واستمرت في ارتكاباتها سواء في قطاع غزة أو جنوب لبنان، رغم التوصل إلى وقف لإطلاق النار أكثر من مرة على الساحتين، الفلسطينية واللبنانية، وإن تغيرت أعداد الضحايا الذين يسقطون كل يوم، ناهيك عن الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت دولاً أخرى في المنطقة.
ويكفي الإشارة هنا إلى أن المعارك التي يشهدها لبنان مؤخراً أوقعت اكثر من 3500 قتيل ناهيك عن إصابة أكثر من 10000 مواطن لبناني، ونزوح قسري لأكثر من مليون شخص أصبحوا بلا مأوى ويفترشون الطرقات خصوصاً في العاصمة بيروت.
أما المفارقة الكبرى فهي أنه في ظل هذا المشهد القاتم ما يزال هناك من يتكلم عن السلام والقانون الدولي وعن دور الأمم المتحدة التي أثبتت فشلها وعجزها تماماً مثل سابقتها عصبة الأمم.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة