يشغلني أمر اللهجات العربية وتنوعها وتعددها بين الأقطار، وأيضاً داخل القطر الواحد، لدرجة أننا نستطيع تحديد الجهة التي ينتمي إليها المتحدث من طريقة نطقه للحروف ومن استخدامه كلمات بعينها كلازمات في حديثه، ثم من الأسماء التي يطلقها على الأدوات وأنواع المأكل والملبس.
وفي ذلك طرفة أو نكتة ترددت في مصر أواخر الخمسينات، إذ ظهرت دعوة للحد من كثافة السكان في القاهرة، وخاصة من الوافدين إليها من الصعيد، ولأن بطاقات الهوية لم تكن انتشرت آنذاك؛ فإن الطرفة تقول: إن الحكومة لجأت إلى حيلة تعرف بها الصعايدة ليتم ترحيلهم من القاهرة، فوضعوا أوعية تسمى «الجردل» على رصيف القطار المتجه جنوباً، وكلما مر أحدهم استوقفوه، وسألوه: ما اسم هذا؟ فإذا قال «جردل» بالجيم صرفوه، وإذا قال «دردل» أي قلب الجيم دالاً، أمروه بالركوب.
وقد فطن صعيدي نابه إلى الأمر، وسألوه فنطقها جيماً، فوجهوا سؤالاً آخر: من أين أنت؟ فأجاب من «دردا» يقصد جرجا.
وفطن ثالث، وأجاب بأنه جردل، وأن بلده ليست جرجا، ونطق الجيم فصيحة، فسألوه إذا لم تكن من جرجا فمن أين أنت؟ فقال: «من البلد اللي دنبها»، أي جنبها!
وللنكتة استكمال هو أن ابنة الرئيس جمال عبد الناصر هرولت إلى أبيها فزعة تقول: «أين سنذهب؟ إن زكريا محيي الدين يرحّل الصعايدة من القاهرة»!
ولقد لفتني تغير اللهجات من الشرق في الخليج وصولاً إلى الغرب في سيناء والصحراء الشرقية في مصر وإلى الدلتا.. ومن بعدها إلى الغرب الأقصى ليبيا وما بعدها.
ولفتني أيضاً وجود الانتماء القبلي والعشائري في شبه الجزيرة العربية والعراق والشام الجغرافي، وصولاً إلى منطقة الجوف أي «الشرقية» في مصر.
ثم نفاجأ بأن هذا الانتماء يضمر ويختفي في الوجه البحري بمصر، الذي يضم الدلتا وأجوارها القريبة، ليظهر مرة أخرى غرباً عند بداية الصحراء الغربية وامتدادها في المغرب العربي الكبير.
وكثيراً ما يؤدي اختلاف اللهجات، ومن ثم المسميات، إلى سوء الفهم وأحياناً الاشتباك اللفظي الحاد، خاصة إذا كان المسمى ينصرف إلى الخبز مثلاً في قطر ما.. وينصرف إلى عضو حساس في الجسم في قطر آخر. ولذلك اتجهت للمصادر العلمية التي تصدت لقضية اللهجات العربية، وهذا حديث آخر.
