يخلط كثيرون بين الحرية والعشوائية، فيظنون أن أكثر الناس حرية هو من لا يلتزم بشيء، يفعل ما يريد حين يريد دون نظام يحكمه. لكن من جرب أن يعيش بلا ترتيب، أو أهداف، أو جدول، لفترة طويلة، يكتشف أن العشوائية لا تمنح الحرية التي يتوقعها، بل تمنح في الغالب نوعاً من الفوضى التي تستهلك الطاقة دون أن تعطي شعوراً بالإنجاز.
والنقطة التي يصل إليها البعض متأخراً هي أن الانضباط، الذي يبدو قيداً للبعض، يمنح حريةً أكبر بكثير من العشوائية التي تبدو حرية. الانضباط يحرر الإنسان من العشوائية والمزاجية. من يعيش بلا نظام يكون رهيناً لما يشعر به في كل لحظة، يعمل حين تأتيه الحماسة ويتوقف حين تغيب. وهذا يجعل حياته متذبذبة، لا يستطيع أن يعتمد على نفسه فيها. أما من بنى نظاماً، فإنه لا ينتظر المزاج المناسب، بل يتحرك بناء على التزامه. هذه الاستقلالية عن المزاج هي حرية حقيقية، على الجانب العلمي توجد عدة دراسات تؤكد وتدعم هذا التوجه، منها الدراسة التي نشرتها جامعة فريدريش ألكسندر، وخلص الباحثون فيها إلى «أن الأشخاص ذوي الانضباط العالي يتمتعون بمستويات حرية ورضا أكبر، لأن النظام يحميهم من تشتت المشاعر اللحظية»، لأن الإنسان فيها يقود نفسه بدل أن تقوده مشاعره المتغيرة.
ما يجعل هذا الأمر صعب الإدراك في البداية هو أن الانضباط يكلف ثمناً في لحظته. الالتزام بنظام يتطلب تخلياً عن إغراء اللحظة، وهذا غير مريح.
لكن هذا الثمن القصير يشتري راحة طويلة. الإنسان المنضبط يعيش بفوضى أقل، وندم أقل، وشعور أكبر بأنه يسير في اتجاه يريده. أما الإنسان العشوائي، فيستمتع بحرية اللحظة، لكنه يدفع ثمنها لاحقاً على شكل فوضى يصعب الخروج منها.
ما يكتشفه من يعيش بنظام لفترة كافية أن النظام لم يقيده، بل حرره من أشياء كثيرة كانت تثقله. حرره من التشتت، ومن التأجيل، ومن الشعور الدائم بأنه متأخر عن شيء.
وهذه الحرية هي الشعور الثمين الذي لن يندم عليه الشخص، أما العشوائية والحرية اللحظية فشعور مؤقت لكن ثمنه هو الوقت، عملة باهظة الثمن ولا يمكن استرجاعها.
