للوهلة الأولى، يُعتبر التحذير من حضور العقل والذكاء غيرَ منطقي، أو غيرَ مستساغ، أو لا قابلية له، كون وظيفة العقل الأزلية مبنية على الفائدة والبقاء للإنسان، بل إن وظيفته العظيمة هي المحافظة على كل ما من شأنه أن يجعل حياة هذا الإنسان ثرية بالخير مفعمة بالسعادة والفرح. ومع هذا، قد نجد بعضاً من العقول وقد تحولت إلى عبء جسيم، ومصدر للبؤس والألم. يمكننا ملاحظة هذا الجانب عندما تزيد حدة العقل وتتحول إلى عيوب، ويصبح كل ما ينتج عنه خاطئاً، أو يؤدي إلى نتائج غير صحيحة. العقل مصمم لحل المشكلات، وهذا صحيح، لكنه قد يقوم باختراع مشكلات لم تكن موجودة، والسبب أن يظل مشغولاً. ولأن من وظائفه التحليل، قد يفرط في التحليل والتدقيق، مما يسبب تأخراً أو أحكاماً غير صحيحة.
أيضاً، من غرائز العقل غريزة البقاء، لذا قد يندفع لتوقع الكوارث والمشكلات والصعوبات، وهو يهدف للحماية، لكنه في اللحظة نفسها قد يسبب تراجعاً وتردداً ومخاوف جسيمة، بل قد ينتج قلقاً مستمراً يمنع الإنسان من الابتكار والنجاح، والاستمتاع باللحظة. والبعض من العقول تركز على إعادة الماضي، بدلاً من التركيز على التعلم من الأخطاء، حيث يقوم العقل باستعادة الأحداث والمواقف الماضية، ويجعل لها حضوراً مما يسبب حالة من جلد الذات التي تضعف النفس والروح المعنوية. وخلافاً لما يعتقده البعض بأن العقل يقوم بالبحث عن الحقيقة بشكل مطلق، فإن الحقيقة ليست هي العماد ولا الأساس، ولا المنطلق، حيث تؤثر فيه جوانب أخرى، مثل المخاوف، والمعتقدات، والحذر، ونحوها من المسببات.
ولا ننسى أن العقل بارع ويملك مهارة قوية في تضخيم الوهم والخيال، وينمي المخاوف من النقد. وهناك دراسات وبحوث علمية تحدثت عن مثل هذه الجوانب، مثل ما يُعرف ب «متلازمة المحتال»، وخلالها يقنع العقل صاحبه الناجح المتميز بأنه مجرد مخادع، وبالتالي فإن ما وصل إليه تم بطريقة غير صحيحة، بينما الواقع مختلف تماماً عن هذه الحالة.
يبقى العقل النشط الذكي نعمة من أعظم نعم الله على الإنسان، لكن يجب النظر لهذا العقل بأنه عضو تنفيذي يخدم الإنسان، لذا نحتاج للفهم بأن القرارات التي تنتج تحت الضغوط والمخاوف والصعوبات قد لا تكون قرارات صحيحة. العقل يجتهد وفق غرائزه، ووفق المعلومات التي تصله، ويبقى وعي الإنسان وفهمه مكملاً وسياجاً يحمي من الخطأ الذي قد ينتج عن حلول العقل.
