الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

فتات خبز على طاولة مطبخ..

17 يونيو 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 17 يونيو 00:08 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
..كتب الروائي الياباني هاروكي موراكامي روايته الأولى (اسمع الريح تغني) وهو يجلس كل ليلة إلى طاولة المطبخ، ويقول إنه كتب روايته الثانية (الكرة والدبابيس) عام 1983، وفي وقت متأخر من الليل على الطاولة نفسها، لذلك، كما يقول: (فإنني بشيء من الحب المختلط بالحرج، أطلقت على هذين العملين روايات طاولة المطبخ).
كان موراكامي، قبل أن يصبح روائياً أو قبل أن يكتشف أنه روائي قد أسس هو وزوجته مقهى صغيراً في أحد أحياء طوكيو، وبعدما اشتهر ككاتب في اليابان وفي الغرب باع المقهى، وتفرّغ للكتابة، وأظنه بقي يكتب في المطبخ.
الكثير من الكتّاب تستهويهم الكتابة على طاولة الأكل، بالقرب من موقد الطعام وروائح البهارات وأكياس الخبز والخُضَر، وربما يعود ذلك إلى أن الكتابة في حدّ ذاتها هي شكل من أشكال الطبخ، لا بل، يشعر بعض الكتّاب عند انتهائه من كتابة قصيدة أو قصة أو رواية بنوع من الامتلاء الذي يشبه الشبع، وأنه وصل إلى حالة من الاكتفاء النفسي والروحي الذي تحققه الكتابة بما تنطوي عليه من فعل إشباعي إن جازت العبارة.
لكن هناك تفسير آخر لهذه الحالة العاطفية بامتياز، وهو أن الكتابة في المطبخ هي توق إلى المزيد من الطمأنينة في المكان الذي يرمز إلى الحياة، وهو أيضاً المكان الذي تقف فيه المرأة بكل طاقتها الإبداعية الرائعة وهي تحوّل الأشياء البسيطة المتاحة بين يديها إلى طعام تلتئم حوله العائلة، أما المطبخ فهو مملكة المرأة ومكان إبداعها الشخصي الذي يتماهى مع إبداع الرجل الذي يستعير منها حيّزاً من مكانها، ويجلس هناك في حضورها أو في غيابها ليصنع طعامه الأبدي والوجودي من اللغة، وفي ضوء هذه الاجتهادات لا أكثر ولا أقل، يخيل إليّ أن هاروكي موراكامي وهو يكتب في مطبخ زوجته إنما كان يلوذ بها، ويطلب منها بعض الأمان الذي يمكّنه من الكتابة من دون أدنى شعور بالخوف.. الخوف من الوحدة، الخوف من العزلة، وربما الخوف من الجوع..
في كل هذه القصة التي تدور حول الطاولة هناك دَوَران آخر في المطبخ اسمه: الحب. ذلك الدوران الجميل الذي يحقق الإشباع والاكتفاء.
لا الخبز ولا الكتابة يملآن الإنسان بالمعنى الوجودي للكلمة، بل، الحب هو الامتلاء. الحب الواقف فوق موقد النار، والحب الجالس إلى الطاولة. الحب ذو رائحة القرنفل، والحب الذي يجعل الرياح تغني مثلما يفعل موراكامي وهو يكتب على طاولة تناثر عليها فتات الخبز، ومن الفتات الصغير نمت وردة حمراء.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة