الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أوروبية الحداثة أم عالميتها؟

17 يونيو 2026 00:41 صباحًا | آخر تحديث: 17 يونيو 00:42 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تاريخياً، تعكس الحداثة الذائقة الثقافية الغربية في ذروة تطورها، حيث نضجت مفاهيمها الأكثر أساسية كالعقلنة والأنسنة والعلمنة، وتشكلت تجاربها داخل التاريخ الأوروبي، الذي منحها الدلالة والمعنى، وأنتج البنى المؤسسية التي جسدتها. تعني العقلنة تلك الصيرورة التاريخية التي أنتجت فهماً للعالم يقوم على منطق العقل، المتجذر في العلم التجريبي الحديث، انفصالاً عن منطق الروح الذي هيمن على الحقبة التقليدية، متخللاً الدين والميتافيزيقا والأسطورة.
إنها الصيرورة التي توجت العقل الإنساني قطباً موجباً للتجربة البشرية، وأحالت الدين إلى موضع السلب من تلك التجربة، بعد أن كان هو مركزها ونقطة انطلاقها. وتعني الأنسنة تلك الصيرورة التي جسدت سعي الإنسان إلى تأكيد فرديته وبلورة شخصيته المستقلة ومواصلة حركته الواثقة نحو التموضع في مركز العالم، باعتباره فاعلاً وجودياً قادراً على التشريع لذاته، متحرراً من كل سطوة خارجية تفرض عليه القهر سواء جاءت من المجتمع أو السلطة، وهي الصيرورة التي شهدت انطلاقتها الكبرى بميلاد عصر النهضة وتبلور المذهب الإنساني في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ونضجت بفضل جهود المتنورين، خصوصاً الموسوعيين الفرنسيين، والنقديين الألمان في القرن الثامن عشر. أما العلمنة فهي ثمرة النقد العملي للدين، وهو نوع من النقد لا ينشغل بأصول مفهوم الإله بل يركز على دور الدين في الحياة اليومية، وطبيعة حضور المؤسسات الدينية في المجال العام، رافضاً تغوِّلها على نظيرتها الدنيوية/ الزمنية، على منوال هيمنة الكنيسة الكاثوليكية على أوروبا طيلة القرون الوسطى.
أما جوهرياً، فلا تعدو الحداثة أن تكون انعكاساً لمسيرة التقدم البشري، وتجسيداً للخبرة الإنسانية المشتركة، وهو ما يمكن ملاحظته إذا ما حررنا المفاهيم التأسيسية الثلاث من قوالبها النهائية التي التصقت بها، وأمعنا التأمل في تاريخيتها، ذلك أن المفاهيم الكبرى/ التأسيسية لا يمكن أن تظل ساكنة وهي تخوض غمار التاريخ الثقافي، لكنها في المقابل لا تفقد هويتها تماماً أثناء الارتحال الشاق داخل هذا التاريخ، بل تحتفظ بجوهرها الأول ثم تضيف إليه ما أمكن لحامليها الجدد أن يبدعوا فيها، أو ما يتطلبه الزمن الآتي من تعديلات لها.
تلك الإضافات والتعديلات تخضع لمنطق التاريخ نفسه، حيث تتبلور بعض المفاهيم الجديدة تماماً لأجل أن تسمي وقائع وأحوال مستجدة، كما يجري تعديل بعض المفاهيم المألوفة التي طالما عبرت عن أحوال وظواهر قديمة تطورت، على نحو يجعلها أكثر قدرة على وصفها بعد أن تطورت، وبالقطع قد يندثر بعض ثالث من المفاهيم، لأن الظواهر التي كانت تعبّر عنها قد تحللت أو تجاوزها الزمن.
في هذا السياق، نجد أن لمفهوم العقلانية جذوراً ضاربة في الحضارة العربية، إذ لا يمكن تصور نهضة حضارية لجماعة بشرية تجمّد عقلها، لكنها بالقطع لم تكن العقلانية الحديثة/ التجريبية التي تجلت في التنوير الأوروبي، بل كانت عقلانية كونية، تنظر إلى الطبيعة في سياق مهمتها الاستخلافية، وتُكسب المسلم أفقاً عقلانياً تدبرياً، ربما كان الأرقى في زمانه. كما نجد جذوراً لنزعة إنسانية، لا تقوم بالضرورة على الفردانية المطلقة، ولا تستبدل المركزية الإنسانية بالمركزية الإلهية كنظيرتها الأوروبية، لكنها انطوت على صيغ أولية كانت فعالة في تحرير إرادة العربي المسلم من الموروث الجاهلي، القبلي والجبري، يمكن استشفافها من النص القرآني الذي يُعلى حرية الضمير الشخصي سواء في اكتساب العقيدة، أو في ممارسة العبادة. وأيضاً من علم الكلام المعتزلي خصوصاً في القرن الرابع الهجري، وبالطبع من الفلسفة الرشدية. وأخيراً نجد نمطاً من العلمانية، يتجاوب مع النص القرآني في رفض الوصاية الروحية على الضمير الفردي، وإن لم يبلغ هذا النمط بالطبع أفق الديمقراطية الليبرالية، التي لم تتبلور إلا بإلهام نظريات العقد الاجتماعي وبقوة دفع الثورات التحررية. ولعلنا نتذكر هنا أن جل الإمبراطوريات الإسلامية، عدا العثمانية، قد سبقت تاريخياً نظريات العقد الاجتماعي حتى في نموذجها الشمولي المبكر لدى الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز. لقد ظلت حرية الفرد في مواجهة السلطة أمراً غير قائم في التاريخ العربي الإسلامي، رغم ما تمتع به المسلم من حرية وجودية، وغير المسلم من حرية دينية، ربما لعدم نضج مفهوم الحرية السياسية حينما كانت النهضة العربية في أوجها قبل عشرة قرون. بل يمكننا الزعم هنا أن التقاليد الإسلامية قد أعلت، ولو ظاهرياً، من شأن القيم الأخلاقية في ممارسة السلطة السياسية كي تتمتع بالشرعية، ما يجعل تصوراتها للدولة أرقى من تلك التصورات التي رسمها هوبز، تالياً، لحال الممالك الأوروبية الصاعدة، حيث السياسة تحركها فقط الدوافع البدائية كالخوف والرغبة في السيطرة. هكذا وعبر نظرة نقدية مشبعة بالحس التاريخي يمكن إزالة الشعور العميق بغربة الفكر العربي عن الحداثة، بل والإسهام في تصويب مسيرة الحداثة نفسها، بشرط أن نُقدم هذا الإسهام بطريقة تتجاوز الاستعلاء والجذرية، فلا ندعى قدرتنا على تقديم بديل كامل للوضع القائم، بل فقط على سد بعض الثغرات الأخلاقية والروحية في معمار الحداثة الشاهق.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة