بلغت نماذج العقارات العالمية والمناطق الاقتصادية الحرة منعطفاً تطورياً فارقاً، فلعقود مضت، اعتمدت مراكز الأعمال التقليدية في قياس نجاحها على مؤشرات بسيطة، مثل حجم المساحات المؤجرة، وعدد التراخيص الصادرة، والنطاق الجغرافي الذي تشغله، غير أن المشهد الاقتصادي الكلي اليوم، والذي تحكمه وتيرة التحول الرقمي المتسارع وتحولات الممرات الجيوسياسية، بات يكشف بجلاء أن البنية التحتية المادية وحدها لم تعد كافية، فالريادة التجارية على المدى البعيد، أضحت حكراً على من يمتلك القدرة على هندسة بيئات متكاملة ومتعددة الأبعاد، لا تكتفي فيها الشركات باتخاذ مقار لها، بل تنطلق منها نحو النمو والتوسع.
ويشكّل بناء المنظومات الاقتصادية الناجحة جزءاً أصيلاً من هوية مركز دبي للسلع المتعددة، فعلى مدى العقدين الماضيين، تطور المركز من مُشغّل لحيّ تجاري محلي إلى أحد أبرز المراكز العالمية للتجارة، مُكوناً خلال هذه المسيرة خبرات عملية استثنائية، وبيانات معرفية متخصصة، وشبكة علاقات واسعة عبر مختلف القطاعات. واليوم، وفي عالم أصبحت فيه المرونة والقدرة على التكيف العملة الأهم لاستدامة الشركات، يترجم مركز دبي للسلع المتعددة هذه الخبرات إلى واقع ملموس، من خلال إطلاق منصتين متخصصتين هما «حرم مركز دبي للسلع المتعددة» ومنصة «الذكاء الاستراتيجي». وتمثل هذه المبادرة خطوة تتجاوز النموذج التقليدي القائم على إصدار التراخيص؛ إذ ستقدم المنصتان خدمات استشارية استراتيجية مصممة وفق احتياجات كل جهة، وبرامج تطوير مهني بمعايير عالمية، تستهدف الشركات متعددة الجنسيات، والجهات الحكومية داخل الدولة وخارجها، ومؤسسات القطاع العام على نطاق أوسع.
من منظور استراتيجي، يستند النموذج الاستشاري لمركز دبي للسلع المتعددة إلى خبرة عملية، تمتد على مدى عقدين من الإنجازات الحقيقية، ما يمنحه طابعاً متميزاً وفريداً. وبصفتها الذراع الاستشارية المتخصصة للمركز، لا تسعى منصة الذكاء الاستراتيجي إلى أن تكون بديلاً مباشراً لشركات الاستشارات الإدارية التقليدية، بل ستقدم حلولاً عملية مجربة تجمع بين الخبرة الميدانية في بناء المنظومات الاقتصادية، والبحوث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والبيانات السوقية الحصرية، إلى جانب الرؤى التجارية المتخصصة، وسيرتكز عمل منصة الذكاء الاستراتيجي على صياغة استراتيجيات التجارة، ودعم التنويع الاقتصادي، وتطوير نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بهدف بناء بيئات اقتصادية مرنة تتيح لمختلف القطاعات والأنشطة الازدهار والنمو.
وعلى نطاق أوسع، تمثل منصة الذكاء الاستراتيجي امتداداً طبيعياً وتقنيناً رسمياً للدور الاستشاري، الذي يؤديه مركز دبي للسلع المتعددة على الساحة الدولية منذ سنوات، فقد دأب المركز على تقديم المشورة والدعم لجهات حكومية في العديد من الدول حول كيفية بناء ممرات تجارية قوية ومستدامة، ومن خلال مذكرات تفاهم استراتيجية أبرمها مع مؤسسات حكومية دولية، بدءاً من وزارات الاقتصاد في عدد من الدول التجارية، وصولاً إلى الهيئات السيادية المعنية بقطاعي التعدين والزراعة، نجح المركز في نقل نموذجه القائم على السلع الأساسية كأداة لتحقيق النمو الاقتصادي.
وشملت هذه الجهود تقديم المشورة والإرشاد لوفود حكومية أجنبية بشأن الآليات المعقدة لإنشاء سجلات وطنية مدعومة من الدولة للمعادن الثمينة، وتطوير بنية تحتية آمنة لتداول الماس، وإنشاء أسواق رقمية تتسم بالشفافية. ومن خلال إضفاء الطابع المؤسسي على هذه الخدمات، ضمن ذراع متخصصة للاستشارات والخدمات المعرفية، تتمتع منصة الذكاء الاستراتيجي بمقومات فريدة تؤهلها لتوسيع نطاق هذه الشراكات الدولية بسلاسة أكبر، وتعزيز مكانة دبي كمركز عالمي للتجارة والابتكار المؤسسي.
وتتجلى أهمية هذه المرونة الهيكلية والرؤية الاستشرافية بوضوح في شراكتنا مع شركة IBM، والتي بدأ تعاوننا معها بانضمام «آي بي إم للاستشارات» (IBM Consulting) شريكاً رسمياً إلى مركز الذكاء الاصطناعي التابع للمركز، ما أسهم في توسيع نطاق دعم المركز لمجتمع متنامٍ، يضم أكثر من 180 شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات، من خلال مبادرات القيادة الفكرية، والإرشاد المهني، والندوات التعليمية، ومسابقات الابتكار السريع (الهاكاثون).
وسرعان ما تطورت هذه الشراكة إلى آفاق أوسع، فإدراكاً للمسار المتسارع لتطور قدرات الحوسبة، جاءت التوصية من IBM نفسها بإطلاق مبادرة متخصصة في مجال الحوسبة الكمية، وهي المبادرة التي أرست لاحقاً الأساس لإنشاء مركز الحوسبة الكمية التابع لمركز دبي للسلع المتعددة. وتمثل مسيرة شركة IBM، في حد ذاتها، من شركة تقليدية لتصنيع الأجهزة إلى شركة عالمية في البرمجيات والحوسبة السحابية وحلول الأعمال الإدراكية، نموذجاً بارزاً للقدرة على إعادة الابتكار والتجدد.
وتُعد هذه القدرة على تخطي الواقع القريب، واستشراف الموجات الاقتصادية المقبلة، والمشاركة في تصميم أطر عمل قادرة على مواكبة المستقبل، هي تحديداً القيمة التي ستسعى منصة الذكاء الاستراتيجي إلى تمكين عملائها من الشركات والجهات الحكومية من تحقيقها.
وتتطلب تنمية أي منظومة اقتصادية مستدامة مواصلة صقل رأس المال البشري وتطويره. ومن هذا المنطلق، يأتي حرم مركز دبي للسلع المتعددة، الذي يجمع تحت مظلته جميع المبادرات التعليمية والمعرفية التابعة للمركز، ومن خلال إنشاء مركز متكامل للتعلّم، وتنمية القدرات، والتعليم والتطوير المهني، سيعمل حرم مركز دبي للسلع المتعددة على توحيد الجهود المعرفية القائمة والبناء على النجاحات، التي حققتها «سلسلة المعرفة» وبرامجها المتخصصة، بما في ذلك الدورات المتقدمة، والندوات الإلكترونية، وورش العمل الفنية، مثل أكاديمية دبي للتصميم.
ويرسخ المركز، منذ سنوات، نموذجاً يقوم على التعليم والتطوير بوصفه ركناً أساسياً في مختلف منظوماته. فعلى سبيل المثال، يضم مركز القهوة التابع لمركز دبي للسلع المتعددة حرماً تدريبياً معتمداً من جمعية القهوة المتخصصة (SCA)، يقدم برامج مهنية متخصصة في مهارات إعداد القهوة (الباريستا)، وطرق التحضير، والتصنيف، والتذوق، والتحليل الحسي، والتحميص، إلى جانب شهادة مُقيّم جودة القهوة «CQI Q Grader»، كما يضم ثلاث غرف مخصصة لتذوق القهوة، تم إنشاؤها وفق معايير جمعية القهوة المتخصصة ومعهد جودة القهوة.
ويدعم مركز الشاي التابع لمركز دبي للسلع المتعددة التعلّم التطبيقي في القطاع، من خلال برامج التذوق، ومزج المنتجات، وتطويرها، وتبادل المعرفة، بما يساعد الشركات على فهم تدفقات التجارة، والخدمات اللوجستية، وآليات الوصول إلى الأسواق.
وامتدت هذه الفلسفة، منذ سنوات، إلى الأسواق المالية عبر بورصة دبي للذهب والسلع DGCX، أول بورصة للمشتقات المالية في الشرق الأوسط وإحدى الجهات التابعة للمركز، والتي واصلت منذ انطلاقها تأهيل المتداولين والوسطاء والمجتمعات التجارية، ويتجلى ذلك بصورة خاصة من خلال مبادرة «الحرم التدريبي للتداول»، التي جمعت بين ورش العمل التطبيقية، والتدريب عبر المحاكاة، وإتاحة الوصول إلى الأسواق الحية، من خلال المحافظ التجريبية، إلى جانب برامج نظرية متخصصة في التداول وإدارة المخاطر.
ومع مواصلة تطوير منصات السلع الزراعية الجديدة، مثل مركز الكاكاو ومركز العسل التابعين للمركز، سيمتد هذا النموذج إلى فئات جديدة من السلع، من خلال الندوات، وورش العمل الفنية، والبرامج المتخصصة التي تركز على الجودة، وقابلية التتبع، وعمليات المعالجة، وسلاسل الإمداد من منشأ المنتج إلى الأسواق النهائية.
واختارت مؤسسات عالمية اتخاذ المركز مقراً لعملياتها التعليمية والعلمية، ويأتي في مقدمتها المعهد الأمريكي لعلوم الأحجار الكريمة (GIA)، المرجع العالمي الأبرز في أبحاث الألماس ودراسته وتقييمه، والذي يدير مختبراً متطوراً يحتل طابقين في برج أبتاون، ليضع أعلى المعايير العالمية للمعرفة والتميز في علوم الأحجار الكريمة في المنطقة.
وتكتمل هذه المنظومة من خلال الشراكات الأكاديمية، فقد أبرم مركز دبي للسلع المتعددة مؤخراً مذكرة تفاهم مع الجامعة الأمريكية في دبي، تهدف إلى سد الفجوة بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي في القطاعات المختلفة، بما ينسجم مع التزام الجامعة بتقديم تعليم يرتبط باحتياجات الصناعة، ويستفيد في الوقت ذاته من المنظومات التكنولوجية المتقدمة التي يطورها المركز، بما في ذلك مراكز الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية والألعاب.
ومن خلال البحوث المشتركة، وتطوير المناهج الدراسية، وبرامج التدريب العملي للطلبة، إضافة إلى مبادرات تبادل المعرفة، تسهم هذه الشراكة في إعداد كوادر مؤهلة وجاهزة لتلبية احتياجات القطاعات المستقبلية، وهذه هي تحديداً نوعية الشراكات المنظمة التي تم تصميم حرم مركز دبي للسلع المتعددة لتوسيع نطاقها على مستوى أكبر.
ويجدر التأكيد على أن هذه المنظومة لا تعمل بمعزل عن الأطر التنظيمية القائمة؛ إذ إن جميع الأكاديميات والمعاهد والجامعات العاملة، ضمن مركز دبي للسلع المتعددة تخضع لموافقة ودعم الجهات التنظيمية المختصة، فوزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات تضع المعايير الاتحادية، التي تقوم عليها جودة التعليم ونزاهته على مستوى الدولة، بما يضمن توافق مخرجات التعلم مع الأهداف الوطنية طويلة المدى لتنمية رأس المال البشري.
وفي إمارة دبي، تتولى هيئة المعرفة والتنمية البشرية (KHDA) تنظيم وترخيص مزوّدي التعليم والتدريب في القطاع الخاص، بما في ذلك المؤسسات العاملة ضمن المناطق الحرة، الأمر الذي يمنح جميع البرامج المقدمة داخل المركز طابعاً من الاعتماد والرقابة الحكومية المستقلة، وسيعمل حرم مركز دبي للسلع المتعددة، ضمن هذا الإطار التنظيمي المتكامل، جامعاً بين الانضباط المؤسسي والارتباط المباشر باحتياجات الصناعات المختلفة.
وسيتم إطلاق حرم مركز دبي للسلع المتعددة، عبر نهج تنفيذ مرحلي يعتمد على شبكة شراكات واسعة قائمة بالفعل تضم نخبة من تجار السلع، ومؤسسات تمويل التجارة، ومزودي التكنولوجيا، والمؤسسات الأكاديمية، وشركات Web 3، العاملة ضمن المنطقة الحرة. وفي المراحل المقبلة، سيعمل الحرم على توسيع هذه المنظومة، عبر إدراج برامج مهنية معتمدة تغطي مجالات تجارة السلع، وهندسة تمويل التجارة، والتجارة الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتقنيات المتطورة، إلى جانب آليات تتبع ومعايير الامتثال البيئي والاجتماعي والحوكمة (ESG).
ومن خلال الفصل بين الدقة الأكاديمية لحرم مركز دبي للسلع المتعددة وبين الخبرات الهيكلية القابلة للتطبيق، التي تقدمها منصة الذكاء الاستراتيجي، يعيد المركز تعريف مفهوم المناطق الحرة، ومن خلال التحول من نموذج يقوم على التشغيل التفاعلي إلى مرحلة القيادة الفكرية الاستباقية، سيكون مركز دبي للسلع المتعددة في موقع يؤهله تماماً لدعم الحكومات والمؤسسات ومجتمع أعضائه، الذي يضم ما يقارب 27,000 شركة، من خلال تزويدهم بالأطر والمنهجيات الدقيقة والأدوات والرؤى الاستراتيجية اللازمة لصياغة مستقبل التجارة العالمية، والتعامل معه بثقة، والريادة فيه بجدارة.
* الرئيس التنفيذي الأول والمدير التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة
