من وقت إلى آخر أعود إلى تقرير (حالة اللغة العربية ومستقبلها) الصادر في عام 2021 عن وزارة الثقافة والشباب في الإمارات، وكان التقرير الأول من نوعه والأنجح في مجمل دراساته واستطلاعاته وبحوثه العلمية الرصينة حول لغتنا التاريخية والدّينية والأدبية، وقام على قراءات ميدانية موثوقة وذات مراجع عديدة لعدد كبير من الباحثين والأكاديميين والإعلاميين العرب وبعض الأجانب، فضلاً عن التراكم الثقافي المرجعي الذي انطوى عليه هذا التقرير العملي، الذي، أعتقد أنه يهم بالدرجة الأولى الكاتب والإعلامي والباحث في اللغة أو في لغات العالم، وتشكل العربية اليوم واحدة من أهمّ هذه اللغات.
في التقرير، وفي مناسبة حضور الإمارات ضيف شرف في معرض بكين الدولي للكتاب عدت إلى واقع اللغة العربية في الصين من خلال بحث علمي توثيقي أعدّته الباحثة نور الشيخ، وجاء فيه أن عدد الجامعات التي توفّر موادّ باللغة العربية في الصين بلغ 46 جامعة في عام 2014 وتقدّم 10 جامعات منها شهادة الماجستير في تخصص اللغة العربية، وأربع منها شهادة الدكتوراه في التخصص نفسه، ويفيد التقرير بأن الإقبال على تعلّم العربية زاد بعد تعاون الصين مع جامعة الدول العربية لتنظيم منتدى التعاون العربي الصّيني الذي أقيم ما بين أعوام 2006 و2008، الذي شجّعت الحكومة الصينية من خلاله على تعلم اللغة العربية.
بالطبع، هناك نحو أكثر من عقد من الزمن بيننا الآن وبين الحيثيات الواردة أعلاه في التقرير، لكن وبشكل عام وبالقياس لمكانة اللغة العربية المعاصرة، وحجم الجامعات في الصين يبدو عدد الجامعات الصّينية التي تمنح الماجستير والدكتوراه قليلاً جداً، وفي الوقت نفسه، هناك أعداد قليلة أيضاً من الطلبة العرب الذين يتجهون إلى تعلم اللغة الصّينية والحصول على شهادات عليا في تاريخها وفي آدابها العريقة التي تعود بشكل خاص إلى سلالة (تانغ) التي كثر في عهد حكمها الصين حجم الإنتاج الأدبي، وعدد الشعراء والمسرحيين..
في مقابل هذا القصور الأكاديمي على مستوى تعلم اللغتين العربية والصينية، نجد أن حركة الترجمة من الصينية إلى العربية شهدت نمواً متصاعداً في الإمارات، وبخاصة بعد استقطاب مشروع كلمة للنشر في أبوظبي عدداً من المترجمين العرب الذين ينقلون من الصينية إلى العربية مباشرة، وبلا لغة وسيطة مثل الإنجليزية أو الفرنسية، وفي الوقت نفسه، يلاحظ المراقب الثقافي العربي شغف القارئ العربي بالآداب الشرقية، وبخاصة الأدب الصّيني وجذوره الكنفوشيوسية، تلك الجذور التي نُقِلت مبكراً إلى العربية في بعض بلدان الوطن العربي وبشكل خاص في مصر.
