هل فكّرتَ في جائزةٍ، أضعف الإيمان فيها، ميدالية ذهبية للعالم العربي، في الصبر على المكاره؟ أحد الماكرين همس غامزاً: أخشى أن يرفعوا على واجهة أمّ المنظمات العربية،لافتة: «ولأقعدنّ على الطريق وأشتكي.. وأقول مظلوم وأنت ظلمتني». ردّ عليه الذي هو أنكى مكراً: ويحك، هل كنت تريد أن تردح الجامعة في الشوارع، حاسرةَ الرأس، سافرة الوجه: «بيض الصفائح لا سود الصحائف في.. متونهنّ جلاءُ الشكّ والريبِ»؟
القضية هي اليوم أن قوىً صاعدةً إلى سدّة الهيمنة العالمية، تتطارح ملابسات نظام عالمي جديد، بمنأىً عن الأمة العربية، وإن كانت الصراعات تدور حولها وفيها وعليها ومنها وإليها. الأمة في كل الحالات مجرورة، وكما يقول النحاة: «حروف الجرّ تنوب عن بعضها». غير أن العرب لم يفكروا في التجربة الذهنية، لنقل العدسة من النحو إلى الجغرافيا السياسية، لتتجلى لهم حقيقة أن الإمبراطورية وإسرائيل والدول الأوروبية، في حلف شمال الأطلسي، أو متفرقة تنوب عن بعضها، عندما تكون على المائدة كعكة عربية.
من المفيد ألّا ننسى البلاغة، شأن التعبير بالجزء عن الكل، فالشرق الأوسط مثلاً ينوب عن الخريطة العربية كلها، لكنه ليس هكذا في نظر العناصر غير العربية، التي صارت فيه أكثر نفوذاً من العرب أنفسهم. ما يعني، حتى ولو لم يَرُقك الأمر، أن مصطلح العالم العربي لم يعد يعني ما كان يوحي به قبل خمسين سنةً، أمّا بعد نصف قرن، فهل لديك علم بما ستكون عليه الخريطة في ذلك الزمان؟ لعلّ مراكز القرار والدراسات الجيوسياسية في الصين وأمريكا وروسيا، لديها أدوات استشعار واستشراف تكشف بعض المحجوب.
خبراء العلوم السياسية والاجتماعية، ينظرون إلى هذه الطرائق من تناول القضايا، كهزل في وقت الجد، لكنهم يتناسون العقود الطويلة المهدورة، متحاشين أسئلةً مزعجةً لا تحصى: ما هي سبل الإقناع التي تتلقاه كليات العلوم السياسية؟ ما هي المشكلات الذهنيّة التي يواجهها المتدرّجون في السلك الدبلوماسي العربي؟ ما هي أسباب الجمود والخمود وشلل الحركة، عربياً، في المعتركات الشرق أوسطية والإقليمية والعالمية؟ أمور لها انعكاسات على الأمن العربي.
لزوم ما يلزم: النتيجة الأخلاقية: الحكيم النزيه لا يجرؤ على ادّعاء امتلاك الأجوبة الحاسمة.
