يدخل الصراع الروسي الأوكراني منعطفاً هو الأكثر سخونة وتعقيداً منذ اندلاعه، حيث لم تعُد المواجهات العسكرية حبيسة خطوط التماس التقليدية في إقليم دونباس، بل تحولت إلى استراتيجية «ضربات العمق المتبادلة»، وتوجيه الرسائل النارية.
الهجوم الأوكراني واسع النطاق بالطائرات المسيّرة، والذي استهدف مصفاة نفط حيوية في قلب موسكو، جاء كترجمة ميدانية مباشرة لتهديدات الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الصريحة بأن «موسكو ستحترق»، إذا استمر استهداف البنية التحتية لبلاده.
هذا التصعيد الأوكراني يحمل في طياته دلالات سياسية توقيتية واضحة، فكييف باتت تتعمد، بشكل ملحوظ، تنفيذ هجماتها الكبرى، بالتزامن مع قمم دولية بارزة، تنظمها أو تحضرها موسكو، مثل منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي سابقاً، وقمة «آسيان» الحالية المنعقدة في مدينة كازان.
الرسالة الأوكرانية هنا ليست عسكرية بحتة لتقويض تمويل الآلة الحربية الروسية عبر ضرب منشآت الطاقة وتخزين المحروقات، فحسب، بل هي محاولة سياسية لخدش صورة الاستقرار الفيدرالي الروسي أمام الشركاء الدوليين، وإظهار أن الداخل الروسي بات مكشوفاً أمام ضربات الاستنزاف.
في المقابل، تعكس ردود الفعل الروسية استراتيجية مركّبة تعتمد على الامتصاص العسكري والهجوم المرتد، فبينما تمطر القوات الجوية الروسية الأجواء الأوكرانية بمئات الصواريخ والمسيّرات، يومياً، ظهر الرئيس فلاديمير بوتين في قمة كازان هادئاً، متجاهلاً الضربة الأوكرانية تماماً في كلمته الافتتاحية.
هذا البرود الدبلوماسي المتعمد يهدف إلى إرسال إشارات قوية، للداخل والخارج، معاً، مفادها أن الدولة الروسية قادرة على إدارة شؤونها وعلاقاتها الدولية تحت أي ظرف طارئ، وأن الواقع الميداني يسير وفق حساباتها الاستراتيجية، متجاوزاً محاولات الابتزاز العسكري الأوكراني.
ومع ذلك، لا يمكن بأيّ حال من الأحوال فصل هذا الغليان الميداني المتصاعد عن الحراك الدبلوماسي المتسارع الذي يدور خلف الكواليس الدولية، فتصريحات الرئيس الأمريكي ترامب في قمة مجموعة السبع بفرنسا، ودعوته الصارمة لموسكو بضرورة «إبرام اتفاق» سريع لإنهاء الحرب، تضع جميع الأطراف أمام واقع سياسي جديد بملامح مختلفة. زيلينسكي الذي يلوّح بورقة التصعيد، ويتجه إلى بروكسل طلباً لمنظومات دفاع جوي متطورة، وصواريخ مضادة للباليستي عبر برامج حلف شمال الأطلسي، يدرك جيداً أن الدعم الغربي ليس شيكاً على بياض، وأن الضغط العسكري المكثف هو وسيلته المتبقية لتحسين شروط أي تفاوض مستقبلي، خاصة بعد دعوته الأخيرة لبوتين بوقف الحرب فوراً، محذراً إياه من خيارات صعبة قد تمس أمنه الشخصي.
المشهد الراهن يبدو كسباق، محموم وخطر، بين فوهة البندقية وطاولة المفاوضات، فبينما يصّر بوتين على فرض واقع الميدان كشرط للتسوية مع رفضه القاطع لإجراء أي محادثات مباشرة مع نظيره الأوكراني، تحاول كييف، بكل قوتها، نقل كلفة الحرب الباهظة إلى عقر دار خصمها لخلخلة توازنه. لكن الأكيد وسط صراع كسر العظام هذا، أن كلفة الاستمرار والمكابرة باتت تفوق قدرة الطرفين على الاحتمال على المدى الطويل، وأن التصعيد العسكري الراهن قد لا يكون في نهاية المطاف إلا الممر الإجباري، الأخير والاضطراري، الذي يسبق الجلوس الحتمي على طاولة تسوية شاملة، تصاغ تفاصيلها المعقدة بخرائط الميدان، وضغوط العواصم الكبرى.
