الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

دع يدك «تفكر»

22 يونيو 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 22 يونيو 00:03 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
ثمة مقولة تنسب للروائي إرنست همنغواي، تقول: «إن أفضل الكتابة هي تلك الكتابة التي حين تكتبها لا تعرف تماماً إلى أين سوف تصل»، ربما هذه العبارة البسيطة قد تفتح أمامنا باباً واسعاً للتفريق بين الكاتب الروائي المبتدئ والمحترف، وسط ما نشهده في السنوات الأخيرة من «علو كعب» الأعمال السردية الروائية.
غالباً نجد الروائي المبتدئ يكتب عمله، وكأنه فعلياً يشاهد فيلماً سينمائياً في مخيلته، ويعمل على تحويل المشاهد واللقطات إلى سرد روائي، يعتمد على رؤية الشخصيات المتخيَّلة تتحرك أمامه ويسمع الحورات ثم في مرحلة لاحقة يدون ما يراه، في ما يشبه عملية نقل بصري، تبقى في كثير من الأحيان أسيرة الصورة أو اللقطة الجاهزة، في ما نجد أن الكاتب المحترف يعمل بطريقة مختلفة تماماً، فهو يستمع للمشهد في داخله ولايراه غالباً، هو شيء يمكن تشبيهه بـ»المونولوج الداخلي»، صوت خافت يقوده في أروقة الخيال، ولا يفرض عليه طريق أو خط سردي، وإنما يفتح أمامه ألف احتمال واحتمال، فيمسك القلم ويكتب دون أن يعرف نهاية الحكاية.
وتعرف هذه الطريقة في عالم الأدب بـ»الكتابة الاستكشافية»، والمقصود هنا هو أسلوب في التأليف يبدأ من شرارة أولى، ثم يترك الكاتب النص يتكشف أمامه خطوة خطوة، من دون خطة تسبق الكتابة، تاركاً للأحداث والشخصيات حرية التطور لتوجيهه نحو النهاية بشكل طبيعي أثناء الكتابة، وفي هذا النوع، لا تكون النهاية مرسومة سلفاً، بل تولد من حركة الشخصيات وتطور الأحداث أثناء العمل نفسه، لهذا تبدو النصوص وفق هذا الأسلوب أكثر حياة، وأكثر تأثيراً في القارئ.
وبعبارة أبسط، الكاتب في هذا النوع يدخل إلى جو النص معه فكرة وموقف، ثم يترك الحكاية تقوده، لذا يجوز أن نستخدم معها توصيف كتابة «من دون تخطيط مسبق»، بعكس الكتابة المخططة، حيث يضع الكاتب هيكل العمل، ومساره، ونهايته قبل أن يبدأ الصياغة، وهنا يكون النص ثمرة ترتيب مسبق، وليس ثمرة اكتشاف تدريجي.
من هنا ندرك أن اليد في الكتابة هي فعلياً تتجاوز كونها أداة تنفيذ لتصبح «اليد التي تفكر»، وحين يكتب القلم تشعر أن المعنى يتكون في ذهنك ببطء لكنه يرسخ بعمق، والسبب يعود لتناغم حركة الأصابع، مع احتكاك الحبر بالورق، مع لحظات التوقف بين كلمة وأخرى، و»الخربشة»، هذه كلها عناصر تشارك في صناعة الفكرة.
لذا من المفيد إذا كنت كاتباً أن تجرب وتدع يدك تفكر، دون تقييدها بخطة مسبقة، أن تتركها تتعثر أحياناً وتتوقف ثم تواصل، ففي هذه الكتابة يولد النص الذي يشبهك.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة