في المعايير الثقافية تُعد مرحلة الطفولة إحدى أكثر المراحل حساسية وتأثيراً في تشكيل بنية الوعي الإنساني، فهي فترة نمو، جسدي ونفسي، ومساحة يتكون فيها الإدراك الأولي للعالم، وتتحدّد من خلالها أنماط الفهم والتلقي والقيم، التي يحملها الفرد لاحقاً. فالطفل في هذه المرحلة يتفاعل مع محيطه الاجتماعي والثقافي عبر الأسرة والمدرسة واللغة، ومن هنا، ندرك الدور الجوهري لهذه المرحلة في ترسيخ الهوية الثقافية، أو إعادة إنتاجها، فهي مرحلة تأسيسية في بناء الوعي الثقافي والإدراك الجمعي للفرد داخل مجتمعه.
والطفل، في جميع الأحوال، يتفاعل بشكل أساسي مع ما يقدم له، سواء على الصعيد الديني، أو الاجتماعي، والثقافي، وهنا تبرز أهمية الإصدرات والكتب الموجهة للطفل، وحساسية الدور الوسيط الذي تلعبه هذه الإصدرات، والتي تُعد مدخلاً أساسياً إلى بناء عقل الطفل، ولغته، وخياله. ولكن الأمر المثير للاهتمام وفق ما تكشفه الدراسات، التربوية والنفسية، الحديثة بأن الطفل تبدأ علاقته بالمعرفة من خلال الصور والرسوم، في مرحلة ما قبل القراءة، فنجده يتفاعل مع رسوم الوجه المبتسم أو الحزين، وتثير انتباهه الألوان، وتشدّه الحركات المرسومة التي توحي بالحدث، وهي تفاصيل تدفعه إلى السؤال والتعليق، وهنا تحديداً، تكمن القيمة العميقة للرسوم القصصية، فهي تفتح أبواب الخيال للطفل، وتقدم له تدريباً مبكراً على التفكير التفاعلي.
لكن قيمة الرسومات القصصية لا تتحقق بازدحام صفحات الكتاب بها، وكثرة الألوان، فالرسم الجيد الموجّه للطفل هو الذي يحترم ذكاءه، ويضيف إلى النص طبقة جديدة من المعنى، لذا تعتبر أجود وأجمل الكتب المصورة هي التي تجعل الطفل يكتشف شيئاً لم تقله الجملة، وتنمّي لديه مهارات الملاحظة، والمقارنة، والاستنتاج، والقدرة على ترتيب الأحداث، وفهم السبب والنتيجة، وحين يرى الطفل شخصية حزينة في بداية القصة ثم سعيدة في نهايتها، فهو في الحقيقة يمارس تفكيراً سردياً يفسر ماذا حدث؟ وما الذي تغيّر؟ ومن ساعده؟ وهذه الأسئلة الصغيرة، بحد ذاتها، قادرة على بناء لبنات التفكير المنطقي والوجداني عند الطفل.
يجب أن ندرك حقيقة أن الكتاب المصور، هي أداة ثقافية هامة، يجب أن نعمل على تعزيزها وتطويرها في عالمنا العربي، ودعم العاملين في هذا القطاع، وشمولهم بالرعاية ورصد الجوائز الكبرى على غرار «جائزة الشارقة لرسوم كتب الطفل»، و«الجائزة الدولية لأدب الطفل العربي»، لتقديم منتج عربي يتوافق مع قيمنا و ثقافتنا، بأعلى معايير الجودة، ليكون هناك مساحة هادئة وشفافة تفتح آفاق الطفل على التأمل والحوار، فمن يضع كتاباً مصوراً بين يدي طفل، فهو يمنحه حكاية، كما يمنحه طريقة لرؤية العالم، وتسميته، وفهمه.
