الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«السيلفي».. ذاكرة ووعي

16 يونيو 2026 00:20 صباحًا | آخر تحديث: 16 يونيو 00:21 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
ذلك الهوس المنتشر الآن في كل بقاع الأرض بالصورة الذاتية «السيلفي»، والذي هو من نتاجات التكنولوجيا الحديثة والثورة الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، ليس مجرد ظاهرة عابرة أو سطحية وساذجة تعبر عن فكرة النرجسية، بقدر ما أنه يلامس أبعاداً عميقة وخفية تحتاج بالفعل إلى البحث والتنقيب؛ فهذا «السيلفي» أضحى بالفعل ظاهرة ثقافية واجتماعية وسياسية وفلسفية شديدة التعقيد، فهو أداة مرئية تعمل على إعادة تشكيل مفاهيم الذاكرة والفكر، وكذلك هو ضمن أدوات الاحتجاج في العصر الحديث.
يرى الكثيرون أن (السيلفي) يعمل على تعزيز فعل الذاكرة والتذكر؛ فلئن كان الناس يعتمدون في السابق على توثيق لحظاتهم وأفكارهم عبر التدوين، فإن الصورة، في عصر يحتفي بها، باتت تدخل ضمن أدوات هذا الدور، بحيث صارت اللقطة الفوتوغرافية الذاتية تعمل على إعادة ترتيب الذاكرة البشرية وتغيير طريقة حفظ البشر لأحداثهم اليومية والحياتية. ولعل من المهم الإشارة في هذا المقام إلى أن بعض الدراسات النفسية والعصبية قد أشارت إلى أن كاميرا الهاتف الذكي ما عادت مجرد أداة لتوثيق الواقع، بل صارت تعيد صياغة الطريقة التي يعمل بها الدماغ البشري على مستوى التخزين والاسترجاع.
في السابق، كان المرء يلتقط صورة للمكان لتوثيق الحدث أو للذكرى، وهو بذلك يركز على التفاصيل الفيزيائية للمكان الذي هو بطل اللقطة، أما (السيلفي) فهو يشتغل بصورة أكثر عمقاً؛ إذ يجعل الذاكرة تركز على المعنى المرتبط بتلك اللحظة التي التُقِطت فيها الصورة الذاتية، فهي تشمل تفاصيل الإنسان داخل المكان ليكون ذلك هو الجانب الأهم، أي صورة الوجه بكل تفاصيله والمكان من خلفه، بحيث تتراجع مكانة المكان ليحل محلها حضور الإنسان نفسه، وكأنه يستحضر مقولة ديكارت مؤولاً إياها في صرخة مدوية مفادها: أنا موجود، ليس كصورة فقط، بل كفكرة تحتضنها الصورة.
كما أن البعض يرى في «لقطة السيلفي»، استعادة للسيطرة على السردية الشخصية، فصاحب الصورة أو الفيديو الذاتي، هو الذي يقرر كيف يراه الآخرون، ففي السابق كانت الصور تلتقط بواسطة الآخر، وهو الذي يتحكم في اللقطة من حيث الفكرة والزوايا التي يخرج بها الصورة، أما التصوير الذاتي فيعيد ذلك الحق إلى صاحبه؛ أي الذي يقوم بلقطة «السيلفي»، فهو الذي يقدم نفسه للعالم بالهيئة والشكل الذي يريده.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة