..قراءة «هكذا تكلم زرادشت» مرة ثانية وفي السبعين من العمر، تشبه العودة إلى حقل مهجور للبحث عن شجرة بعينها كانت شجرة الطفولة التي كان ينام بين أغصانها ذلك الصبيّ الذي عاش حياته في البرّية في جبال رجولية، وأودية ترجع صدى الأصوات.. كأنها تتكلم.. غير أن هذا القارئ لن يجد الشجرة، ولن يسمع كلام الأودية، وهكذا، إن ما كنت قد قرأته لنيتشه وأنت شاب، لن تجده، وأنت في الستين أو في السبعين..
فرغت من ترجمة علي مصباح لهكذا تكلم زرادشت. (دار الجمل 2007)، ترجمة تحترم نفسها، ترجمة متعوب عليها، وتشكل الهوامش والشروحات والتعليقات على نصّ نيتشه ما يشبه الكتاب في كتاب، ترجمة لا تعرف مطبخ السلق والطهو بلا نفس. بل عودة دائماً إلى الإحالات النيتشوية. عودة إلى النص الفكري الذي خلخله أحد كبار السخرية كما لو أنه يعبث بدمية من قشّ، لكن هنا، وفي هذه القراءة المتأخرة، لا شأن لي بنيتشه الانقلابي، فيلسوف الإنسان العالي، لا شأن لي بالفخاخ التي ينصبها للشعراء مثلاً، ولا شأن لي بتحويله الرموز إلى فكاهة، بل، سأذهب إلى وقفات قصيرة أو صغيرة.
هل يكبر الخوف مثلاً؟، وكيف يفلسف نيتشه ظاهرة الخوف.. يقول (إن الخوف هو الشعور الفطريّ والأساسي في الإنسان. في الخوف تجد الكثير من الأشياء تفسيراً لها، الخطيئة الأصلية والفضيلة الأصلية، ومن صلب الخوف نَمَتْ أيضاً فضيلتي التي اسمها: العلم.. لأن الخوف من الحيوان الوحشي هو ما لُقّنه الإنسان منذ أبعد العصور، بما في ذلك الخوف من الحيوان الذي يخبّئه في داخله ولا يطمئنّ إليه، ذلك الذي يسمّيه زرادشت الدّابة الداخلية..).
يسخر نيتشه أحياناً، وبمرارة، من الشعراء، ولكن ليس أي شعراء، إنه نار حمراء على من يسميهم الشعراء الكذّابين ذوي العاهات، الذباب الأزرق، الشاعر الكاذب يشبه الخروف الذي يقضم الإكليل..
يسخر أيضاً من أولئك الذين يبيعون الزؤان على أنه حنطة، ويوبّخ أولئك الذين يرى أنهم فائضون عن اللزوم، أما تاريخ البشرية فهو كما يراه نيتشه خجل، خجل، خجل، ويتساءل: كيف يمكنك أن تغدو جديداً إن لم تتحوّل أولاً إلى رماد..
الحُسن، كما يرى نيتشه هو جزء من سماحة الأنفس العظيمة، وقد تتجلّى هذه العظمة في حالة النوم، كان يحب النظر في وجه كل نائم.
هكذا، إن ما لم تجده في شبابك أو في صباك، ستجده، ربما، في شيخوختك..
